555555555555555

اخبار ليبيا : جداتنا الصينيات...و (الفونج شوي) الليبي

ايوان ليبيا 0 تعليق 315 ارسل لصديق نسخة للطباعة

جداتنا الصينيات...و (الفونج شوي) الليبي

بقلم / أحلام المهدي.

تنهانا الجدات عن كثيرٍ من تصرفاتنا العفوية و يطلبن منا بإصرارٍ الكفّ عنها ، تعظُم التساؤلات و تشح التفاسير و نكبر دون أن ندرك السبب ، فالإجابة الجاهزة دائما من جدتي مختصرة جدا ، هي في الواقع كلمة واحدة لا تفسير لها ولا شرح.

تخبرني بأن هذا الفعل (معفون) فأكف عنه فورا رغم جهلي حتى بهذه المفردة ، ولكنني أرجعها فورا الى العفن و هو سيءٌ حتما ونجس  لذا وجب الابتعاد عنه.

والمعفون هذه قد تكون أشد وقعا عليّ من العيب ، ملامح جدتي وهي تنطق كلتا المفردتين تشي بهذا.

لطالما رنّ جرس السؤال في عقلي الصغير، أن لماذا تطلب إلي جدتي أن أقول (فلفل اكحل) او (كمون اسعد) ولا أقول عن أي منهما (أسود) ؟

وعندما أحمل لها إناء طبخٍ طلبت إلي إحضاره فإنها تنهرني من بعيدٍ إذا ما أقبلتُ عليها و(قعرُ الماعون) الأسود يتجه مباشرة لوجهها ، تفعل هذا بغضبٍ مبطن وكأن عيناها ستلفظان نورهما الأخير لتحاكيا ظلمة الاناء !

(أعوذ بالله من فالك) تنطلق هذه العبارة أيضا كفرسٍ جامحةٍ لترتطم بأي كلمة قد أتفوه بها ، يلفّها فقدٌ أو مرضٌ أو موت وإن كنت لا أقصدها ، وتلطخ هذه العبارة أحياناً فستاني الأنيق فقط لأنه أسود اللون !

كذلك فإنني وعندما أسرح و بيدي مقصّ فإنني قد أقوم تلقائياً بفتح نصليه و إغلاقهما مرارا ولو من باب الملل أو(الكساد) فإن أمي أو جدتي أو حتى صديقتي التي تكبرني بسنتين فقط ستقف بالمرصاد لأصابعي و تطلب مني التوقف فورا فهذا (فال مش كويس) و يجلب المشاكل للبيت و ساكنيه !

لطالما استغربت مثل هذه التصرفات ، فكيف تقوم فتاة فوضوية جدا في غرفة مقلوبة رأسا على عقب بحماسٍ شديدٍ لتقلب فردة الحذاء على وجهها وكأن هذا سيقوّم العالم و يقضي على الفوضى العارمة فيه و المسيطرة على المشهد كله.

أعامَل كآلهة عندما أقول (نهار أحرف) أو (نهار أسود) فيطلب مني فورا أن أستبدلها بنهار (أبيض) أو نهار (سعيد) وكأنّ كلامي سيغير الأقدار لينثر السعادة في الأرجاء و يصبغ العالم بالبياض !

لا أخفيكم سرا، فقد سخرت كثيرا من كل ما سبق و لكن التكنولوجيا حملت إلي المفاجأة بأن فسرت لي كل شيء.

علاقةٌ وثيقةٌ تربط كل ما سبق من طباع ليبية أصيلة  بالفونج شوي.

الفونج شوي(   ) ، هذه الفلسفة التي نشأت منذ حوالي 4000 سنة مضت وهي فن التناغم مع الفضاء المحيط وتدفقات الطاقة من خلال البيئة ، فكرة انبعاث الطاقة و امتصاصها و التعايش بشكل إيجابي و بدون توتر مع كل هذا.

الصين هناك ، و الأجداد هنا ، اللغة و المسافات الشاسعة ستحول دون التواصل ، فهل كانت جدتي بتشاؤمها و تطيّرها من اللون الأسود تعلم بأنه يشلّ طاقة التفاؤل و يمنع الذبذبات الإيجابية من الحلول حيثما حل ؟ أم أنها تراكمات اجتماعية و نفسية لأحداث سابقة نقلَ  الأسلافُ تفاصيلها جعلتها تقرّ بعدم اقترانه بأي شيء جيد !

وهل كانت تعلم بأن المقص عندما يعمل في الفراغ فإنه يقطع ذبذبات الطاقة الإيجابية فتحل المشاكل و العراقيل فورا بحسب الفونج شوي ، و بأن الحديث عن الأشياء الجيدة يجذبها أما الخوض في الشر فإنه يرجح كفته دائما ؟

يجب أن تكون جدتي ضليعة في هذا المجال حتى تعرف أن الماء مرادف للحياة في فلسفة الفونج شوي ، لهذا كانت تطلب من أمي أن تضع كوبا من الماء قرب رأس أخي الرضيع عندما ينام !

نشأ الفونج شوي بعيدا عن أجدادنا و لكن صروف الدهر تشابهت هنا و هناك ، فالماء و النار و الرياح و الشمس  أثثت حياة الشعوب في مشارق الأرض و مغاربها ومن هنا كان الفونج شوي الليبي ، المتسلل إلينا من صُرر الجدات و صناديقهن الخشبية العتيقة.

شاهد الخبر في المصدر ايوان ليبيا




0 تعليق