555555555555555

د. البدرى الشريف المناعى: حول مقاطعة جلسات الهيئة التأسيسية

ليبيا المستقبل 0 تعليق 54 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حول مقاطعة جلسات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور


يدور بعض الجدل حول مقاطعة بعض اعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، لإعمال الهيئة التأسيسية ويخلط البعض بين الغياب عن حضور الجلسات وبين المقاطعة المسببة. فمقاطعة اعمال وجلسات الهيئات السياسية سواء النيابية منها اوالدستورية للتعبير عن موقف ولتعطيل النصاب هومن الأعراف الديمقراطية المتبعة للتعبير عن الرأى. وتكاد لا تخلوا مؤسسة سياسية من هذه المؤسسات وخاصة فى الدول التى تشهد صراعات سياسية وتمر بمراحل انتقالية من هذه الظاهرة.

لقد شهد المجلس التأسيسي التونسى العديد من اعمال المقاطعة من قبل الأعضاء والكتل السياسية الموجودة فيه وعندما بلغت الأزمة السياسية دروتها فقد تم تعليق نشاط المجلس المكلف بكتابة الدستور لعدة اشهر ولم يستتنى من ذلك اللجان المختصة بصياغة الدستور. وبعد تدخل 4 منظمات تونسية على رأسها الإتحاد التونسى للشغل فى عملية الوساطة ثم التوصل الى تفاهمات ادت الى عودة المجلس التأسيسي لعمله وثم انجاز الدستور التونسى.

كذلك الحال فى جنوب افريقيا فقد قاطع حزب انكاتا فى عديد المرات جلسات النقاشات الدستورية احتجاجا على بعض المواقف من حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى. وهذا العرف لا تختص به منطقة عن اخرى ولكنه اكثر حضورا فى الدول التى تشهد تحولا نحوالديمقراطية سواء فى اوربا الشرقية اوآسيا اوافريقيا وينسحب ذلك على المجالس النيابية والهيئات الدستورية.

ففى ديسمبر 2014 قاطع الحزب الديمقراطى فى البانيا جلسات البرلمان والتى استمرت الى حوالى 6 اشهر ولم يعودوا الا بعد الوساطات التى قام بها البرلمان الأوربى ومشاركة اعضاء من البرلمان التشيكى والبرلمان الألمانى فى عملية الوساطة. وقد تضمن الإتفاق على الا تتجاوز الأغلبية الأقلية فى اتخاذ القرارات وأن التشريعات المهمة يجب الا تمرر فقط بالأغلبية البسيطة بل يجب ان يكون للمعارضة دور فيها. وقضى الإتفاق على أن  الطرفين الأغلبية والأقلية يعملان سويا  للوصول الى توافقات فى المسائل المهمة ويشتركان فى  مراجعة اللوائح الخاصة برفع كفاءة لجان البرلمان وفقا لأحسن المعايير الدولية فى هذا الشأن.

وفى العراق فإن القائمة العراقية التى يتزعمها الرئيس العراقى السابق اياد علاوى قد قاطعت جلسات البرلمان ولم تعد الا فى نوفمبر 2014 اثر التوصل الى اتفاق بين الكتل السياسية ومن ضمنها الغاء القرارات المتعلقة باحتتاث عدد من قيادى القائمة العراقية. وقد عبر عضوالقائمة العراقية عدنان الجنابى بقوله "ان الإنسحاب من جلسات البرلمان هونوع من الممارسة الديمقراطية المشروعة وقد مورست فى كل البرلمانات السابقة ولا يحق لإحد حرمان الآخرين من هذا الإسلوب الديمقراطى".

وفى مقدونيا سنة 2013 حصل خلاف بين الحكومة والتى تتمتع بالإغلبية فى البرلمان والمعارضة بخصوص الميزانية مما دفع حزب مقدونيا الإشتراكى الى مقاطعة جلسات البرلمان لمدة شهرين ولم يعد الا بعد توسط رئيس المفوضية الأوربية والمقرر الخاص بمقدونيا فى الإتحاد الأوربى.

اما فى الهند وهى التى تعد من اعرق الديمقراطيات فى العالم الثالت فلعل اقرب نمودج للمقاطعة كان مقاطعة حزب المؤتمر اثناء انعقاد جلسات البرلمان الهندى فى دورته التى بدأت فى صيف 2015 وذلك مطالبة باستقالة وزيرة الخارجية الهندية لتوسطها فى الحصول على التأشيرة الإنجليزية لمؤسس فريق الرقبى الهندى والمتهم فى قضية تلاعب فى نتائج احدى المباريات. ولم تحل القضية الا بعد تفاهمات بين الأغلبية الخاكمة وحزب المؤتمر عاد بعدها حزب المؤتمر الى حضور الجلسات.

اما فى تنزانيا فقد قاطعت المعارضة اجتماعات الهيئة التأسيسية للدستور والمنعقدة فى اغسطي 2014 وذلك احتجاجا على انحراف المسودة المقترحة كما يرون عن الأهداف التى يريدها الشعب وقد جرت وساطات عدة شارك فيها رجال الدين وبعض الشخصيات القانونية المرموقة فى نيروبى. وعلى الرغم من تمتع الحكومة بغالبية الثلثين  واعلانها تحديد موعد  الإستفتاء على الدستور فى اكتوبر 2015، الا ان ذلك لم يتم واضطرت الحكومة الى تأجيل عملية الإستفتاء.

الأمثلة كثيرة جدا ولا تحصى سواء فى البلاد العربية من الكويت الى مصر الى الجزائر الى المغرب وفى كثير من دول العالم حيث شملت هذه المقاطعات المؤسسات السياسية سواء البرلمانية منها منها اوتلك المعنية باصدار الدستور.

لعل المقاربة الأكثر لوضعنا بالنسبة للهيئة التأسيسية  لصياغة مشروع الدستور هى تجربة نيبال حيث هناك تشابه بين الإعلان الدستورى لدينا والدستور المؤقت فى نيبال كما ان هناك تشابه نوعا فى آلية اتخاذ القرار. فقد نص الدستور المؤقت فى نيبال فى الباب السابع:

المادة (63)

1. تشكل هيئة لصياغة دستور جديد مصدره الشعب النيبالى.

2. تجرى انتخابات الهيئة الدستورية فى الموعد الذى تحدده الحكومة عند  تطبيق هذا الدستور المؤقت.

3. انتخاب اعضاء هيئة الدستور يكون بالإنتخاب السرى الحر حسب القانون.

المادة (64)

ما لم تحل الهيئة بقرار منها فإن مدتها سنتين اعتبارا من اول اجتماع لها. ويمكن تمديد المدة فترة 6 اشهر بقرار من هيئة الدستور فى حالة عدم استكمال صياغة الدستور فى الموعد بسبب اعلان حالة الطوارئ.

كما نص الدستور المؤقن بنيبال فى المادة (70):

1. تؤخد قرارات هيئة الدستور بخصوص الديباجة والمواد الدستورية بالتصويت.

2. لإجراء عملية التصويت فيجب ان يكون حاضرا الجلسة على الأقل ثلثى اعضاء هيئة الدستور  ويجب اقرار المشروع المعروض بالإجماع.

3. اذا لم يتحقق الإجماع فى الفقرة (2) بخصوص الديباجة اومواد الدستور فإن ممثلى الأحزاب فى هيئة الدستور يجب ان يعقدوا اجتماعات تشاورية من اجل الوصول الى توافقات فى تلك المسائل.

4. المشاورات المتعلقة بالفقرة (3) يجب ان تتم خلال مدة اقصاها 15 يوما من تاريخ اجراء التصويت وعدم الحصول على الإجماع.

5. اذا ما تمت الإجتماعات التشاورية وفقا للفقرة (4) يجرى تصويت جديد سواء على الديباجة اوالمواد الدستورية وذلك خلال 7 ايام من انتهاء المشاورات.

6. اذا لم يتم التوصل الى قرار بالإجماع كما هوموضح فى الفقرة (2) حتى بعد اجراء المشاورات وفقا للفقرة (5) فيجب اعادة التصويت مرة اخرى فإذا كان الحضور بالجلسة بحد ادنى ثلثى اعضاء الهيئة الدستورية وان المشروع قد تحصل على الأقل ثلثى الأصوات من اعضاء الهيئة التأسيسية  فيعتمد التصويت ويقر المشروع.

لقد شهدت اعمال هيئة الدستور النيبالية العديد من المشاكل المعقدة نتيجة الصراع السياسي المحتدم بين الماويين الذين كانوا يمثلون الأغلبية ولكن لم يصلوا للثلثين اللازم لإقرار الدستور على الأقل وبين الإحزاب الأخرى المعارضة وقد ادت هذه الخلافات الى تجاوز المدة المحددة فى الدستور المؤقت ومددت الهيئة لنفسها عدة مرات كل مرة 6 اشهر. وفى 25 نوفنبر 2011 حكمت المحكمة الدستورية بتحديد تاريخ 27 مايو 2012 كموعد نهائى لإعلان الدستور اواجراء انتخابات جديدة للهيئة الدستورية. لم تستطع هيئة الدستور الوصول الى توافقات حول بعض القضايا وكان الخلاف بشكل رئيسى حول 4 قضايا هى النظام القضائى والفيدرالية وشكل الدولة وموضوع انتخاب الرئيس!! وبذلك فى الموعد المحدد وهو27 مايو2012 حلت هيئة الدستور بعد مضى اربع سنوات على عملها!.

اجريت انتخابات جديدة للهيئة الدستورية فى 19 نوفنبر وتخلل اعمال الهيئة التأسيسية الجديدة العديد من الصراعات والمقاطعات لإعمالها من قبل المعارضة حتى تمكنوا اخيرا من الوصول الى توافقات بعد محاورات عديدة وتوسطات وثم اعلان الدستور الجديد  لنيبال فى 20 سبتمبر 2015.

ما نخلص اليه ان هناك الكثير من المشتركات بين الهيئة التأسيسية فى ليبيا والهيئة التأسيسية فى نيبال فكلاهما جاءتا عن طريق الإنتخاب السرى الحر وكلاهما حدد لهما الدستور المؤقت والإعلان الدستورى فى ليبيا آلية التصويت على المسائل الدستورية  والمدة الزمنية وكلاهما تجاوزا المدة الأساسية المتوقعة لإنجاز الدستور. اعتقد ان هذه المقارنة والمقاربة تعطينا تجربة مفيدة حول تعقيدات العملية الدستورية فى دول تشهد صراعات حادة وتخوض تجربة التحول نحوالديمقراطية.

وكما اشرت الى اهمية الوساطات التى تدخلت فى كثير من الأزمات وعلى الخصوص التجربة التونسية ودور مؤسسات المجتمع المدنى ممثلة فى الإتحاد التونسى للشغل والإتحاد التونسى للصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والتى رعت الحوار السياسي الوطنى بين مختلف الأطراف السياسية فقد ساعدت هذه الوساطات فى الوصول  الى توافقات جنبت تونس الدخول فى اتون الحرب الأهلية.

لقد اكد الأعضاء المقاطعون لإعمال الهيئة التأسيسية استعدادهم لحل المسائل الخلافية بمشاركة النخب الوطنية الليبية بغية الوصول الى توافق واتفاق حولها. وقد اكدوا فى بياناتهم بأن الشأن الدستورى هوشأن ليبى صرف وأن الإختلافات الموجودة فى الرؤى الدستورية لدولة ليبيا يجب حلها عن طريق مشاركة النخب الوطنية من خبراء واعيان ومؤسسات علمية وبحثية. الأعضاء المقاطعون ليس كما يحاول البعض تصويرهم بأنهم  لا يريدون انجاز الدستور وانهم متغيبون، فهم فى واقع الحال يمثلون الشريحة الفاعلة فى الهيئة والتى لها اسهاماتها الكبيرة فى انجاز المقترحات الدستورية والتى اغلبها تتضمنها هذه المسودة.

للأسف الطريق المتبع الآن من قبل رئاسة الهيئة وبعض اعضائها ومحاولاتهم المستميتة لتمرير مسودة معيبة، لن يؤدى الى  انجاز العملية الدستورية ولا يمكن بأى حال من الأحوال اقصاء كل  كل هذا العدد من الأعضاء المقاطعين والذين حقيقة يمثلون اكثر من 50% من السكان.

ان القول بأن مسودة لجنة العمل المطروحة الآن، هى توافقية قول بعيد جدا عن الواقع  وتكرار ذلك القول لن يغير من هذه الحقيقة شيئا.

د. البدرى الشريف المناعى

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق