http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

"تحالف القوى الوطنية" الشرعية المنفية

الوسط 0 تعليق 32 ارسل لصديق نسخة للطباعة



لم تعرف ليبيا في تاريخها السياسي تجربة حزبية حقيقية، إلا عبر إرهاصات بسيطة سرعان ما وئدت في مهدها، وكانت الحجة دائما، إما أن الحزبية خيانة، أو أن ليبيا تمر بظروف صعبة وليس الوقت مناسباً للأحزاب والانقسامات، وفي جميع الظروف كانت الانقسامات تحدث ولكن عبر وسائل متخلفة، وبحجة الخوف من الخلاف كان الاختلاف مقصياً عن الساحة السياسية، ونتيجة لإقصاء الحياة الحزبية كركيزة للحياة الديمقراطية لم يحدث أن استفتي ما يسمى مجازا "الشعب الليبي" حول مشروع أو برنامج يخص بناء دولته ويتعلق بمستقبله، ومنذ تأسيس هذا الكيان السياسي منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي لم تسمح الحياة السياسية، دستورية أو غير دستورية، للناخبين كي يصوتوا لمشروع أو برنامج. والمرة الوحيدة التي حصل فيها مثل هذا الاستفتاء، أو جس الرأي العام، كانت انتخابات 7 يوليو 2012، وهي الانتخابات الأولى التي يطبق فيها نظام القوائم الحزبية والبرامج الانتخابية في تاريخ ليبيا، وقد فاز في هذه الانتخابات وبأغلبية ساحقة تحالف القوى الوطنية برئاسة الدكتور محمود جبريل، رغم حداثة هذا الكيان السياسي الذي تشكل من تيارات ومنظمات مدنية صغيرة تكونت بعد فبراير 2011، وهو التنظيم الذي وصفه مؤسسه بأنه كان مشروعا أكثر منه تنظيما.

بهذا المعني فإن تحالف القوى الوطنية أول مشروع في تاريخ ليبيا يستفتى عليه الليبيون ويوافقون عليه بأغلبية، وبالتالي هو القوة السياسية الوحيدة التي اختبرت شعبيتها في ليبيا، ورغم ذلك فإن ابتعاد، أو بالأحرى إقصاء، هذا التنظيم السياسي من المشهد، رغم نيله شرعية الشارع الليبي، تكمن وراءه أسباب عدة، أهمها:

ـ الانقلاب الذي حدث داخل أول جسم تشريعي بعد فبراير، المؤتمر الوطني العام، واستغلال واقع ضعف التنظيم الفائز بالانتخابات، وإحداث شروخ داخله جعلت الكثير ممن وصلوا عبره إلى قبة المؤتمر يتخلون عن ولائهم له.

ـ استغلال التيارات التي خسرت الانتخابات الأولى (وهي معظمها تصب في دائرة الإسلام السياسي) لثغرات قانون الانتخابات ودس الكثير من منتسبيها عبر قوائم المستقلين واستدراج البقية منهم عبر الوعد أو الوعيد.

ـ دخول الميليشيات المسلحة على المشهد وانزواء العمل السياسي السلمي في الخلف، بعد أن شكلت القوى السياسية داخل المؤتمر أذرعها المسلحة بما يشبه التجربة اللبنانية التي أدت في النهاية إلى حرب أهلية شرسة.

لقد خسر تحالف القوى الوطنية المعركة لأنها انتقلت إلى حلبة أخرى لا يجيد العراك فوقها، لكن القوى المضادة التي عرفت أنها استطاعت كسب معركتها استمرت في العمل على تمشيط مواقع تحالف القوى الوطنية عبر جيوش إلكترونية تعمل على التشويش على برنامجه وتشويه مؤسس هذا التنظيم شخصيا، حيث رأت أن اسم "جبريل" كان وراء نجاح التحالف في الانتخابات.

كان التحالف الوطني أول تكتل وطني نابع من الداخل الليبي يحظى بفرصة استفتاء الشارع الليبي حوله ويحظى بتحمس هذا الشارع له، وسواء كانت الأسباب متعلقة برئيسه الذي اكتسب شعبية خلال حراك فبراير، أو بسبب برنامجه الذي قدمه كخارطة طريق لبّتْ رغبة الشارع، إلا أن نجاحه يدين أيضاً إلى سابق معرفة دقيقة بالواقع الليبي ومتطلباته، خصوصا وأن مؤسسه ورئيسه ليس مؤدلجا، ويعلن مرارا أنه لا ينتمي إلا لتيار المعرفة، وإلى النهج العلمي في التخطيط لبناء الدولة، ولم يكن مؤسس هذا التنظيم بطلا أو وزعيما روحيا، أو نجما سياسيا، لكن ميزته تمثلت في كون مجال عمله المختص في السنين التي سبقت حراك فبراير متعلقا بدراسات معمقة لهذا الكيان وأزماته، ومتعلقة بما في حوزته من دراسات ومعلومات وإحصائيات حول الدولة والمجتمع شاركه في إعدادها الكثير من الدارسين والبحاث الوطنيين والدوليين، لذلك كان جاهزا لأن يقدم لتنظيمه برنامجا سياسيا تنمويا قويا نابعا من صميم أزمات المجتمع والدولة. وهذا ما لم يتح لأية قوى سياسية منافسة لم تكن تملك سوى الشعارات الثورية الصادحة.

وكان الناخب الليبي يتمتع بقدر كاف لفهم هذا البرنامج والانحياز له بسبب جرعة الإقناع في داخله، ورغم أن علاقة الناخب الليبي بهذه الخبرة الانتخابية جديدة إلا أنه أثبت قدرته على التفريق وعلى الاختيار بحكم متابعته الكثيفة لما يحدث وما يقال على مدى فترة حراك فبراير وما أعقبها.

الآن، ولأن لدينا سابقة في التاريخ الليبي تتعلق بكيان سياسي وطني، (بمعنى أنه منبثق من داخل الوطن)، وتتعلق بكون الليبيين يُستفتون أول مرة على برنامج أو خارطة طريق، يتحتم علينا أن نقف مع هذه الظاهرة من أجل الحفاظ على ما يمكن من الحياة الديمقراطية، ومن الشرعية الحقيقية التي لا يملكها أي تيار آخر حتى الآن، وان نسعى لإجهاض ذلك التمشيط النشط الذي قامت به التيارات المنافسة في معركة سياسية غير شريفة شوهت من خلاله أول تيار وأول برنامج ينتخبه الليبيون في انتخابات حرة ونزيهة.

وعلى هذا التحالف الوطني أن يصمد في وجه كل الدعاوى التي عادت إلى ثقافة تحريم وتخوين الأحزاب ووضعها في سلة واحدة، وأن يواصل ما يقوم به الآن من تجديد كوادره عبر دعم صفوفه بالشباب الجدد وتأهيلهم عبر المؤتمرات وورش العمل، حتى لا يكون مصيره كمصير قوى سياسية وطنية نشأت في الحضن الوطني وفي ظروف مشابهة مرت بها ليبيا وأجهضت تحت اللافتات نفسها التي ترفع الآن. قوى سياسية وطنية مثل "هيأة تحرير ليبيا" بطرابلس التي نشأت أواسط الأربعينيات من القرن الماضي مُطالبةً باستقلال ليبيا عن الإدارة البريطانية، ودعت في 7 يوليو 1949 إلى اجتماع القوى الوطنية في مؤتمر القصبة بمسلاتة، ليتم دمج الهيأة مع تيارات وطنية صغيرة أخرى تحت اسم "المؤتمر الوطني" بزعامة السيد بشير السعداوي، بما يشبه تشكيل تحالف القوى الوطنية برئاسة د. محمود جبريل، ولعل من المفارق أن الاثنين الذين يفصل بينهما سبعون عاما نفيا إلى خارج البلاد بعد نجاحهما الشعبي.

إضافة إلى تجربة جمعية عمر المختار في بنغازي؛ التي جمعتها مع حزب المؤتمر الوطني مشتركات وطنية كثيرة، كان في النهاية لها الدور الحاسم في الوقوف ضد مشاريع تقسيم ليبيا التي كانت تسعى لها قوى كبرى مهيمنة على الحالة الليبية، وتتحمس له بعض القوى الاجتماعية المحلية وبعض القبائل في أقاليم مختلفة.

هذه تجارب سياسية وطنية نبعت من داخل الحراك الوطني الليبي، لكنها للأسف أجهضت ولم تترك سلالة سياسية على الأرض فخسرنا الكثير، وأتمنى أن لا يكون مصير التحالف الوطني الذي أعتبره امتدادا لها المصير نفسه، كما اتمنى أن تظهر قوى سياسية منافسة للتحالف ونابعة من حراك وطني داخلي، وليست فروعا لتنظيمات إقليمية أو دولية أو تتلقى أوامرها ودعمها من الخارج لنؤسس لحياة سياسية هي الركيزة للدولة المدنية أو التحول الديمقراطي الذي يحتاج إلى مخاض طويل.

ويستلزم هذا إصدار تشريعات دقيقة ومنضبطة فيما يخص قانون الأحزاب وقانون الانتخابات، من شأنها أن تحظر أي تكتل سياسي ذي منشأ ديني، لأن تسييس الدين أثبت تاريخيا، ومنذ عصر الفتنة الكبرى، أنه بقدر ما يجهض أي مشروع لقيام دولة مدنية موحدة، بقدر ما أدى مرارا إلى حروب أهلية لا تتوقف.

شاهد الخبر في المصدر الوسط

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com