http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

عطالة السياسة

الوسط 0 تعليق 28 ارسل لصديق نسخة للطباعة



الأخبار الراشحة لبوّابة الوسط 16 .17. 18 أكتوبر 2017 تسيّج المفاوضات في اجتماعات تونس بإشراف المندوب الأممي إلى ليبيا، في مطالبة مجلس النواب المجلسَ الأعلى للدولة، تحوّطاً من تراجعه، بصيغة مكتوبة لما تمّ الاتفاق عليه بينهما، ومقابلها طلب المجلس الأعلى للدولة من البرلمان أن يقدم صيغًا مكتوبة للمواد المعترض عليها. اصطناع "القضايا الخلافية" وتكرارها منذ عام 2014 من الجسمين الخلافيين المؤتمر الوطني ووليده مجلس الدولة والبرلمان اللذين قطع مشروعيتهما جمود التفاوض لقرابة العامين، يمكننا تسميتها بالعطالة بل الإعاقة السياسية، السمة البنيوية للجسمين المصطنعين البرلمان ومجلس الدولة.

إذا ما استعملنا التعبير تجاوزاً فإن عطالة "النخبة السياسية " توصيفا للحالة النزاعية الليبية ترجع جذورها كـ"مفارقة" إلى إصلاحات السياسة العثمانية الجديدة التي أدّت إلى تغيّرات اجتماعية طبقية في المناطق المهيمن عليها كُليّاً، كطرابلس الغرب، وجزئياً لفترات زمنية متفاوتة برقة وفزّان فحتى عشية الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911 يمكننا وصف التكوين الاقتصادي ـ الاجتماعي بالمرتبك، إذ لم يكن على مستوى واحد من النمو، فقد كان ريعيا تهيمن عليه عوائد التجارة المعروفة بالقوافل في برقة، وفي فزان بعد انهيار تجارة القوافل زراعيا تهيمن عليه البنى العائلية شبه الإقطاعية، أما في طرابلس إلى جانب الفلحيات العائلية فكان يمرّ بمرحلة انتقالية تصدّعت فيها علاقاته الريعية التجارية وتم اختراقها بعناصر رأسمالية أفضت إلى تكوين طبقة جديدة من التجار الكمبرادور المرتبطين بالمصالح الأوروبية.

على أساس هذا التنميط الاقتصادي/الاجتماعي يمكننا الإشارة إلى ظهور مايمكن تسميته بطبقات اجتماعية في إقليم طرابلس الذي تمركزت فيه السيطرة العثمانية وإصلاحاتها المتأخرة، والذي صار بدءاً من عام 1911 موطئ قدم الاستهداف الاستعماري الإيطالي. فالشريحة التي توّلت ما يمكن تسميته بمهمة التسيّس هي الطبقة التي يمكن وصفها تجاوزاً بالبرجوازية المتشكّلة من الأعيان الحضريين الذين اندفعوا منتهزين الإصلاحات العثمانية نحو امتلاك الأرض واحتلال المناصب الإدارية كموظفين بمرتبات أو تجار وسطاء (Comprador ) يقومون بالاتجار مع أوروبا. كما ضمّت هذه الطبقة أيضا جماعات جديدة، مثل المثقفين الحضريين الذين برزوا خلال مرحلة الإصلاح (1908 ـ 1911) حين بدأت الصحف والمنتديات الثقافية في الظهور السياسي المحتشم.

التوصيف العياني المعزّز بالقرائن التاريخية يلزمنا الإشارة إلى تعدد أصول طبقة الأعيان فهي، إمّا دينية كفئة العلماء أوعسكرية إقطاعية كفئة الكولوغلية، وزعامية قبلية رمزية كشيوخ القبائل. وكان علماء الأعيان أكثر الأهالي تعليما. حيث اعتادت الأسر المتميّزة مجتمعياً على إرسال أبنائها إلى جامعي الأزهر والزيتونة أو لتركيا، لتأهلهم للعمل في الإدارة العثمانية كمُفتين وقضاة وكتَبة في المحاكم الشرعية ومعلمين في المدارس والكتاتيب وأئمة ووعّاظ في المساجد. ومن أهم العائلات العلمية في القرن التاسع عشر: عائلة البشتي في الزاوية ، والباروني وأبو رخيص بجبلي يفرن، وغريان، وباكير والعالم والنائب وغيرهم في طرابلس المدينة. طبيعة الاستعمار الإيطالي العنصري، وبالذات في حقبته الفاشية الاستئصالية، كان حائلاً دون بروز الجمعيات والمنظّمات والنوادي بمختلف أشكالها، والتوسع فيها حتى ترفد النضال المسلّح وتساهم فيه بحسب وظائفها البنيوية، كما صارإلى حدٍّ ما في البلدان العربية المناظرة التي خضعت لأنظمة استعمارية أخرى غير الاستيطان، كالانتداب والحماية.

لقد سقطت ليبيا بعوامل الاستعمار، خصوصاً دوره اللاعقلاني (وهي صفة لصيقة به) ونظرته الدونية للآخر؛ إضافةً إلى الخصوصيات التي قابلتها فتحكّمت في تجربة المواجهة الليبية. فالعوامل مجتمعة حسمت كُليّاً مسألة إجهاض عملية المواجهة السياسية وعرقلت، عندما توّفرت بعض الشروط الاستثنائية، نموّها الطبيعي ودفعت باتجاه اعتماد الليبيين خيار الجهاد المسلّح وسيلة مميتة لابديل عنها، خاصة بتمكّن الفاشيين من السلطة وممارسة سياسة الأرض المحروقة ضد الليبيين عامة والمجاهدين والقبائل التي والتهم خاصّة.

وبالرغم من كل ذلك، لعب المهاجرون الليبييون من أقاليم ليبيا في البلاد العربية والإسلامية دورا ثقافيا وسياسيا ودعائيا مهمّا مساندا للداخل وخاصة ماتعلّق منه بفضح الاستعمار الإيطالي وممارساته القمعية ضد الشعب الليبي وإيجاد مساندة معنوية عربية ـ إسلامية لحركة الجهاد في الداخل. كما أن خيار قيادات سياسية كالأمير السنوسي إدريس الانحياز إلى الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية وانخراط التشكيلات السياسية والعسكرية الموالية له كمجموعات فدائية في النضال المسلّح ضد القوة الفاشية عبّر عن وعي ثقافي وسياسي متميّز تبلور بمساعدة دولية أملتها مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية في المساعدة على الحصول على الاستقلال عام 1951.

في ليبيا الملكية كانت النخبة السياسية: مزيجا مُلفّقاً من الشرائح المجتمعية: مشائخ القبائل وأعيان الحواضر، والقادة الدينيين، وبعض الإداريين البيروقراطيين، وقلّة من خريجي الجامعات. وقد اتسم العقد الأول من النظام الملكي وجزء من العقد الثاني بهيمنة النخبة السياسية من عناصر محافظة ذات خلفية دينية وجهوية ـ قبلية، كانت معظمها في مواقع ومراكز قوية قبل إعلان الاستقلال. ولكن هذه الهيمنة بدأت تتراخى تدريجيا في العقد الثاني استجابة للحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستجدة، ومنها الطفرة النفطية في منتصف الستينيات حيث لمست ديناميات التغيّر الاجتماعي تقريبا جميع جوانب الحياة في ليبيا، بما فيها البنية الاقتصادية والتعليمية والخدمات الصحية ووسائل الاتصال والمواصلات، كما أثرت على المناطق الحضرية و نظام القيم بها. وجاء هذا التغيير من اتجاهات مختلفة، أبرزها الظاهرة الوطنية المختلطة بتطلعات القومية الوافدة التي أضعفت الانتماءات القبلية الضيّقة، والطفرة النفطية التي أدخلت مفاهيم جديدة حول معايير كفاءة العمل الإنساني وساعدت على زيادة عملية الحراك الاجتماعي، مما أدى إلى زيادة الإحساس بالفردية. هذان العاملان، إلى جانب غيرهما، أسهما، ليس فقط في تغيير أنماط الحياة الحضرية، ولكن أيضا في تغيير أنماط الحياة الريفية والبدوية. أوجه التغيير بلورها انقلاب العسكر الغامض عام 1969الذي تداخل فيه العامل الداخلي مع العامل الخارجي ليلقي بليبيا بماكتبنا عنه في مقالاتنا 2014 ـ 2017 في أتون الدكتاتورية الأُتوقراطية والفوضى التي أرهصت طوال أربعة عقود للفوضوية السياسية والانقسامية المؤسسية بل الانشطارية المجتمعية التي أنتجت الفوضى إمّا: الخلاّقة بوعود التغيير المجتمعي الطبقي والثقافي أو المنزلقة في نفق البلد الفاشل كما يبدو في معالم الخريف المبكر لربيع ماسمّي بالثورة الليبية.

شاهد الخبر في المصدر الوسط

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com