555555555555555

حسني ناجي: هيبة الدولة

ليبيا المستقبل 0 تعليق 58 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الدولة التي لا زلنا نتباكى لغيابها ونتمادى في الاختلاف حول مكوناتها ومؤسساتها الشرعية وأجهزتها ولم نصل لتوافق مجتمعي بعد ونتفق على من يتولى سلطاتها ويهيمن على مفاصلها ويتقلد أعلى المناصب السيادية والوظائف القيادية فيها. الدولة التي لا زال الكثير منا يدعو لضرورة الإسراع في تمكينها من أسباب القوة لفرض وجودها أملين بذلك الى استرداد الاستقرار العام للأوضاع في البلاد وعودة الأمن والأمان في حياة المجتمع في ظل الحالة المزرية وهذه المهازل واستمرار الفوضى واستضعاف القضاء بحكم تواصل مسلسل المليشيات المسلحة وطغيان وجودها وعدم وضوح أهدافها ونواياها الحقيقية وفي ظل انتشارالفساد بمختلف صيغه وصفاته وعجزنا الواضح على مقاومة تواجده المتنامي.

الدولة التي لا زال البعض من أصحاب الايدولوجيات والنوايا الخفية يرفضونها ويعملون جاهدين على عدم قيام مؤسساتها بحكم مفاهيمهم المظلمة عنها وبحكم الإرث النفسي للمعاناة التي سببتها لهم بفعل استبدادها وديكتاتوريتها على مر عقود من الزمن فهي لازالت في نظرهم ذلك الغول السياسي وتلك الألة الضخمة بتروسها المختلفة الأحجام .بينما الحقيقة تؤكد أن الدولة تعبر عن المجتمع السياسي الذي تنضوي تحت سلطانه سائر السلطات السياسية والاجتماعية، وهذا ما يعرف في أنظمة الحكم المعاصرة باسم (الديمقراطية) التي في ظلها تتأكد دولة المؤسسات ولم يعد من الممكن في ظل وجودها أن يقول حاكم كائنا من كان «أنا الدولة» إلا إذا كان هناك خلل في العقل أو كان ينتمي إلى زمن غير هذا الزمان.والديمقراطية كما هو متعارف عليها اليوم تعني التعددية السياسية، بمعنى إن الاختلاف حق طبيعي لبني البشر، وان كل اتجاه يستطيع أن يعبر عن نفسه ويدعو الناس إليه، وصاحب الأغلبية من حقه أن يحكم كما إن الأقلية من حقها أن تعارض وتسعى لتكون أغلبية في يوم من الأيام، وهكذا يتم تداول السلطة سلميا في ظل سيادة القانون، فالناس سواء أمام القانون حاكمين أو محكومين يلتزمون بالقاعدة القانونية التي تقول (إن القانون يعلو الإرادات جميعا ويحكم الإرادات جميعا) وفي ظل النظام الديمقراطي لا ينفرد الحاكم برأيه ولا يستبد بهواه ولا يتصرف بمفرده وإنما الشعب كله ممثلا في الدولة هو الذي يمتلك السلطة بكل مظاهرها وتقسيماتها، ولم يعد يمتلك السلطة فرد أو فئة وإنما أصبح هناك ممارسون للسلطة في ظل الدستور الذي يبين نظام الحكم في الدولة ويحدد الذين يمارسون هذه السلطات وفقا لما يرسمه من حدود.ففي الدولة الحديثة لا توجد مؤسسة واحدة ولا سلطة واحدة وإنما توجد هناك سلطات كل منها تمارس بواسطة مؤسسة دستورية. هناك سلطة تشريعية والتي تمارسها مؤسسة اسمها البرلمان سواء يتكون البرلمان من مجلس واحد أو من مجلسين وفقا لنص الدستور. وهناك سلطة تنفيذية تمارسها كل المؤسسات التنفيذية. وهناك سلطة القضاء تمارسها المحاكم على اختلاف أنواعها . وكل سلطة من السلطات لها اختصاص محدد في إطار الدستور، فإذا هي خرجت عن هذا الاختصاص المحدد كان خروجا غير مشروع. وبذلك لا يستطيع احد التدخل في اختصاص أي منها لأن الدستور وزع الاختصاصات وحدد لكل مؤسسة اختصاصها وجعل المشروعية مقرونة بالاختصاص القانوني، وهذا هو جوهر فكرة دولة المؤسسات والطريق لهيبة الدولة.

‏والمؤسسات دائما متجددة على حين إن الأشخاص ‏الذين يمارسون سلطة المؤسسة باسمها وفي حدود الدستور متغيرون وزائلون، ولكن المؤسسات باقية ولا تتأثر بتغير وزوال الأشخاص، إذن المؤسسات في الدولة الحديثة هي أجهزة الدولة الموجودة أصلا للقيام بوظائفها واختصاصاتها في الإطار الذي يحدده الدستور والقانون ويعهد إلى أشخاص معينين وفق ضوابط ومعايير لممارسة تلك الوظائف والاختصاصات باسم المؤسسة وليس باسمهم الشخصي.كما هو شائع بيننا اليوم في ظل الثقافات القاصرة والعقليات المريضة لرموز الاستبداد واحتكار السلطة والطغيان والعلو في الأرض الذين أبتليت ليبيا بهم وبأمراضهم المستعصية.

وبغض النظر عن سلبيات الواقع المعاش وتأخرنا في تجاوز هذه المرحلة الصعبة من غياب الدولة  فان نجاح بناء مؤسسات الدولة مرهون بقيامه على قاعدة اللامركزية في كافة الشؤون المحلية وعلى مبدأ مشاركة الشعب الواسعة في الحكم وفق مبدآ النهج الديمقراطي، باعتبار إن الحكم اللامركزي هو الشكل الديمقراطي الراقي وهو الأساس الموضوعي والذاتي المتين لبناء الدولة الحديثة والحفاظ على وحدة كياننا وتجنيبنا مأسي سيادة الفردية الدكتاتورية والتسلط ونهج الحكم المركزي. كما ان نجاحها مرتبط بتوفر شروط تثبيت سيادة الشريعة والقانون والنظم على كل هيئات ومؤسسات وأفراد الدولة والمجتمع.

ويبقى  السؤال الذي يملك الحق والأحقية في طرحه اليوم  هو: هل أسنت لجنة الستين هذه القواعد الديمقراطية وهذه الحقوق دستوريا وهل سينعم أبناء ليبيا اليوم بحقوقهم الانسانية وبكرامتهم داخل وخارج أرض الوطن وهل تبادر المؤسسات الأمنية الموجودة حاليا بالتحرك الجاد لوضع وتنفيذ خطط أمنية تتعلق بمعرفة وحصر المتواجدين على أراضينا من رعايا الدول الأجنبية والعربية ومعرفة الأسباب الحقيقية لتواجدهم بيننا اليوم في ظل الأوضاع الراهنة وضبط تحركاتهم وإلزامهم باحترام الإجراءات والقوانين المنظمة لحق تواجدهم وإقامتهم فوق أراضينا بشكل قانوني؟

إن هذا العمل الوطني جدير بالاهتمام والمتابعة نظرا لما يمثله من أهمية كبيرة في تحقيق الأمن على المستوى الداخلي فوجود مئات الالاف من جنسيات مختلفة في ظل هذه الظروف الراهنة فوق تراب وطننا بدون ضوابط وقوانين تحكم تواجدهم يعد خطرا محدقا بأممنا القومي وبأمن مواطنينا ويعتبر مبعث قلق كبير وجب تظافر الجهود المخلصة من رجال الأمن بمختلف المؤسسات الأمنية القائمة  لمعالجته بحسم دون أي تهاون أو تقصير في أداء هذه المهمة  البالغة الخطورة والأهمية لتحقيق أمن بلادنا وأمن مواطنينا ففي ذلك تحقيق وترجمة فعلية لمفهوم هيبة الدولة التي طال مخاض ولادتها وأرهقنا قدومها المتأخر جدا.

حسني ناجي

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




0 تعليق