http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

حواء القمودي: في ذكرى التي لم تعد وحيدة (2/1)

ليبيا المستقبل 0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

‏‫تقول المبدعة شريفة القيادي في شهادتها التي قدمتها لندوة (الكتابة النسائية): "تمتد الذكريات بعيدا في الماضي الذي يتحدد في تاريخ 1947/1/31 الحادي والثلاثين من يناير عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف، في (جنان النوار) بمنطقة  أبي الخير".



وقد امتدت حياتها الثرية حتى يوم 20 ديسمبر 2014، لتعود تلك الروح النقية إلى بارئها عن عمر ناهز سبعة وستين عاما وعشرة أشهر، وخلال هذه الفسحة الزمنية كان للسيدة شريفة القيادي، رحمها الله، حضورها وعطاؤها وبصمتها الخاصة التي سجلتها من خلال ثلاث مجموعات قصصية وروايتين وثلاث دراسات، وكتاب (من أوراقي الخاصة) خواطر كما تقول عنه، وكتاب (بعض الهمس) مقالات.

وتحية لهذه الروح المبدعة، أحاول تقديم قراءة في قصة من مجموعتها (مئة قصة قصيرة) والتي أرادت من خلال جمعها أن تكون (هدية في عامي الخمسين) ص 474، وكأن هذه المبدعة تقول لنا، وقبلا لذاتها: (أنظري ياشريفة ها أنت خلال خمسة عقود تعيشين، تقاومين الموت وما يحاك ضدك كي تكوني مجرد تابعة، ها أنت سيدة تقودين الكلمات وتنسجين باللغة عوالمك الثرية، تكتبين الحكايةً، الحكاية التي ترصدين بها مجتمعك في تعرجاته وتداخلاته وتخلخلاته، كل ما يموج فيه، عيناك ياشريفة ترصدان كل شئ، لا تغفلان عن آهة أو نأمة أو ضحكة، مكتظة أنت بالحكاية، مكتظة بالحياة، إذا قولي لهم جميعا: مازلت أعيش وأتنفس، وأواصل الفرح بالحياة وأرصد دقات القلوب، هواجس النفوس وتوق الأرواح، مازلت أكتب، ومازالت تلك البنت الصغيرة المتوزة قابعة في أعماقي تهديني باقة قرنفل إحتفاءا بعامي الخمسين).

 حين تغيب الساردة:

لم تهتم الكاتبة شريفة القيادي بتشذيب العبارة في قصصها، لم تحفل بتزويق اللغة، ولا بالإعتناء بالصورة وتقنية القص، هي تحكي ولذا تأتي أغلب قصصها بضمير المتكلم، أغلب شخوص قصصها / وهن نساء في الغالب / يتحدثن إلينا مباشرة، كأن (ضمير المتكلم) يمنحهن فضاء حرية أكبر للإدلاء باعترافاتهن وهو أيضا (ضمير المتكلم) قناع، قناع من خلاله يستطعن الإدعاء بشجاعتهن وهن يرتجفن هلعا، قناع يوحين به أنهن موجودات وفاعلات، رغم أن الحقيقة هي أنهن مجرد ضحايا، مجرد ذوات مقموعة ومنفعلة، لهذا لانجد في أغلب قصص القيادي ساردة وراوية، فقط نجد شريفة القيادي المؤلفة الواقعية، لأنها لا تحتاج إليهما فهي الكاتبة والساردة والراويةً.. وهذا مايجعل قصصها أقرب ما تكون إلى سرد وقائع أو ذكريات أو شكاوى.. ولكن في مجموعتها (مائة قصة قصيرة) وجدت نماذج مختلفة للمرأة ومغايرة، ليست تلك المرأةً المستعدة (مستعدة لقبول شروط الزوج، مستعدة للخضوع الكلي، لتتنازل عن شخصيتها، لتكون خادمة وعبدة، شرط أن يقابلها بشئ من الملاطفة).

إن في قصص هذه المجموعة نماذج من النساء تنتصر، حتى وإن كان انتصارها مخيفا، وأكثر قصة جذبتن وجعلتني أعيد قراءتها مرات ومرات هي قصة بعنوان (السعادة) ص75 التي كتبت في عام 1966، ولم تنشر إلا في هذه المجموعة، أي بعد كتابتها بثلاثين عام، وربما كانت الكاتبة قد ضمنتها في مجموعتها الضائعة، فهي وكما تقول في شهادتها (أما بخصوص البداية القصصية، فهي مجموعة ألفتها في الستينيات وجمعتها تحت عنوان (يا حياتي)، أرسلت المخطوط للأستاذ خليفة التليسي، لكن لم ينشر ولا أعرف مصيره) وربما لو نشرت تلك المجموعة القصصية، والكاتبة في يفاعة عمرها، ونالت من النقد والإهتمام ما يليق بها هل كنا سنرى كاتبة أكثر اختلافا وتميزا؟، وحين نشرت قصتها ( لعبة بعض الرجال) في الملتقى الأدبي، أبريل عام 1974، تقول (هذا الفوز دفع الحماس في داخلي فكتبت جميع قصص (هدير الشفاه الرقيقة) في برطانيا، الواحدة تلو الأخرى، وبلغ حماسي أوجه فقدمتها ورواية (البصمات) في عام 1975 إلى مكتبة الفكر لصالح الشريف، وبعد توقيع العقدين لم ينشرهما الرجل، ضاعت المخطوطتان، إنتهى الأمر ونسيته لسنوات) وتقول أيضا أنها قدمت مجموعتين قصصيتين في عام 1985 إلى الدار الجماهيرية (وقدمت مجموعتي (دعونا نحب) و(أنا مقتنعة جدا) إلا أنهما لم تنشرا، وضممت قصصهما إلى (مائة قصة قصيرة  التي صدرت في عام 1997.

لكن الكاتبة لم تشر في مجموعتها إلى هذه القصص، هي فقط وضعت تاريخ كتابتها ومكانه، وإذا فقصة (السعادة) التي كتبت خلال فترة الستينيات في مدينة طرابلس الغرب ص78 ترينا نموذجا مختلفا، فهي قصة تدعونا إلى قراءتها لإستكشاف غورها والبحث في فكرتها، لأنها تملك دلالات مختلفة، منحتني كقارئة متعة إعادة القراءة، والبحث في نسيجها وأيضا الغضب من تلك النهاية التي سخرت مني كقارئة (إن الكاتبة لا تقف حيث ينبغي) بل تمعن في (الإفاضة في شرح حالة أو موقف، أو في تفصيل ماهو متوقع أو معروف، الأمر الذي يؤثر سلبا على براعة السرد واشفافية الفنية وتقنية البناء وبلاغة التلميح وفاعلية الشكل)، ورغم غضبي فإن هذه القصة أغرتني بإعادة القراءة مجددا، والبحث عن أوجه الإختلاف فيها.

وهي تبدأ بداية عادية، ضمير المتكلم هو السائد، وهي تتوجه بالحديث إلينا: القاصة لا تجعل لها إسما، هي نموذج فقط، لذا لا تسميها ولا حتى تصف شكلها الخارجي (لا تهتم الكاتبة بصفات أبطالها، وكأنها تضرب صفحا عن كل ما يدعونا إلى قبول البطل باعتباره فردا له مكوناته وخصوصيات طبعه وسلوكه وشخصيته ككل )، فلا نعرف من هي ماشكلها، وأيضا لا نعرف شكلا ولا إسما لأشخاص آخرين يدورون في فلك هذه المتكلمة، هي تتكلم تخبرنا عن هذه اللحظة الزمنية التي تعيشها (اليوم خالد في حياتي إلى أبد الآبدين.. اليوم ذكرى مجيدة لن تنمحي من ذهني صفحة 75، ثم تستدرك لتخبرنا أن ثمة يوم جميل غير هذا اليوم، وربما كان أجمل، وهكذا ستعود بنا إلى زمن لا نعرف مقداره هل هو شهور أو سنوات، ولعلنا نتبين مساحة الزمن في قولها (وعشت له وأحبه بكل جوارحي... وعملت في صمت على أن أوضح له كل حركة مني وكل كلمة أنطقها... كنت أحبه فعملت لأجل إكمال مظاهر هذا الحب... كنت أرغبه رفيقا لدربي فعملت على تنظيف هذا الدرب... وكنت أقدّره فلم أفعل ما من شأنه تحطيم الهالة التي تحيطني وتُكسبني نورا وبهاءا وبراءة) ص75، كأن هذا السرد يمنحنا اعتقادا بأن ثمة زمن فسيح لحكاية الحب هذه، لكنها حين تواصل الحديث لنعرف متى بدأت هذه القصة وكيف، فإننا سنقع في حيرة، هل هذا الزمن طويل حقا ليمنحنا كل تلك المشاعر والأحاسيس والأفكار والأفعال أيضا؟ أم هي توثق سمة خاصة بالمجتمعات المتخلفة التي تضع حدودا وقيودا للقاء الرجل والمرأة فتصبح تلك اللحظة المسروقة هي الزمن الحقيقي؟.

لكن بطلة هذه القصة التي تروي لنا لحظة سعادتها.. إبنة مدينة .. وقادرة على أن تذهب إلى محل أحذية لتبحث عن حذاء مناسب وترهق البائعة ( وتعبت الفتاة التي ما فتئت تمشي وتجئ معي، تبحث عما يعجبني) ويتابعها صاحب المحل بنظراته (كان في بساطة أذهلتني يتملاني... ويبتسم في طيبة من ضيقي ... ويكاد يجثو أمامي، يساعدني ويقدم لي ما يرضيني ص75 و(اقترب بهدؤ... وسألني في أدب أن يعرض عليّٓ حذاءا جميلا عله ينال رضائي) ص75، وسنعرف من خلال سردها لقصة الحب أنها تملك مساحة من الحرية تمكنها من الذهاب إلى محل مرطبات رفقة صديقة لها (كانت تسبقني في فتح الباب الزجاجي المغطى بستارة زاهية) ص 76، وستجده هناك (لمحته واقفا في الداخل، نفس الوقفة الواثقة المؤدبة التي شعرت بها سابقا) ص76. وهي أيضا.. طالبة.. لا نعرف هل في الثانوي أو في معهد معلمات، فقط نعرف من خلال حديثها (هو يعرف أنني طالبة... فقد رآني مرة وأنا أحمل كتبي عائدة من مدرستي).

إن هذه الملامح التي استقطرتها من قراءة القصة مرة وأخرى، تشي بوجود اختلاف عند هذه الساردة أو المتكلمة، رغم أنها في مدخل الحكاية قالت: (كنت عادية كغيري من ملايين الملايين من الرجال والنساء) ص75، لكن التفاصيل المروية بدأت تكشف عن سمات لهذه الشخصية، هذه البنت التي لا نعرف لها إسماً ولا شكلاً، ولا نعرف إسم حبيبها ولا شكله، هي فقط من خلال الحكاية أعطتني مفاتيح لشخصيتها، ودلالات على المكان الذي هي منه.

هي إبنة مدينة تذهب إلى المدرسة وتخرج لوحدها إلى المحلات لتشتري حاجاتها، وتستطيع صحبة صديقتها أن تدخل محلات تبيع المرطبات، وهي تتحرك في مساحة من الحرية تمنحها وقتاً للتفكير والسؤال، لكنها وهي تواصل سرد حكايتها عن ذلك اليوم (اليوم ذكرى مجيدة لن تنمحي من ذهني، ولن تنطمس تحت فيوض النسيان والفشل) ص75، وأواصل الحكاية (وجاء يخطبني في بساطة، وربما بلا تفكير جاء يخطبني، كنت أيامها في فترة الإمتحانات) ص76، وهنا ستظهر شخصية أخرى، بلا إسم بلا ملامح، هو فقط له سمة الأب لهذه البنت (وعندما قال أبي أن شخصا قد تقدم لي، أقفلت كتابي في هدؤ) ص76، وسيحدث جدال بسيط وستقفل باب غرفتها، هذه الغرفة التي لا ملامح لها سوى أن لها باب تقفله عليها (ومن ثمّ ومن دون أن أدرك تماماً أو أعيٓ، انخرطت في بكاء متواصل، ولم أتوقف رغم إحساسي بيد أبي تمسح على كتِفَيَّ وعلى رأسي في فهم وإدراك) ص76، هذا الأب ألحاني الذي رافق إبنته في طريقها إلى المدرسة أشار إلى شخص قائلا: (هاهو ذلك الذي حدثتك عنه) وتخبرنا أنها عرفته، وعندما عادت من المدرسة أخبرت أمها أنها موافقة، والتقت به خطيبا، وانصرفت لدراستها وامتحاناتها (حتى أنهيت مشاغلي وتحررت من متاعبي، وانصرفت لأموري الشخصية أرتبها، وحوائجي الخاصة أنظمها) ص77، وتحدد موعد العقد والزفاف (وفي فتور وكأنه أمر لا يخصني وافقت) ص78، وفي سطور قليلة نعرف بعضا من شخصيته (وكان لايتضايق ولا يغضب، إذا قلت لا قال لماذا، وإذا أخبرته بشئ ناقشني فيه، ولم يحاول كما تصورت أن يضغط علٓيّ في شيئ، وهكذا سعدت باليوم الذي رأيته فيه) ص78، هذه البساطة في انسياب الحكي توهمني كقارئة أن النهاية ستكون (سعيدة) فكل شئ مثالي، قصة الحب، الخطوبة، ويوم عقد القران والزفاف، ولكن ثمة ذلك البكاء حين أغلقت الباب عليها وقد جاء لخطبتها، ثم كما تقول (كنت مضطربة ولاهثة وغبية... لكن أمامه أنا الجمود بعينه) ص78، كأن في هذه الجمل مؤشرات على النهاية.

النهاية التي كانت ستكون ذات حمولات غنية وتأويلات كثيرة لو أن الكاتبة تخلت عن رغبتها في الإضافة والشرح، بل أنها خلال هذه الأسطر الأخيرة من القصة جعلت المكان (يكتسب بُعداًرمزياً ودلالياً، ويتحول إلى بُعدٍ جمالي من أبعاد النص السردي).

يتبـــع......

http://www.libya-al-mostakbal.org/archive/author/8235
 

 

 

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com