http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

حصاد العام 2015 السينمائي: بدأ بفيلم عن الحرب الأكثر إثارة للجدل واختتم بـ«حرب النجوم»

القدس العربي 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عماد الدين عبد الرازق



06y95.jpg

كان عاما سينمائيا حافلا بالجيد والرائع والمتواضع والسيئ والأسوأ من الأفلام يصعب حصرها أو تناولها في عجالة أو مساحة محدودة، بمثل ما كان صاخبا بأحداث لم تكن كلها سينمائية، وإن تولدت عن أعمال بعينها.
برزت في هذا العام أفلام الحرب بدرجة ما، فقد استهل العام في مطلع يناير/كانون الثاني بفيلم عن حرب العراق « قناص أمريكي» وإن لم يكن حقيقة عنها، ولكن جرت معظم أحداثه في العراق، وأهميته تكمن في الجدل السياسي الذي أثاره حول الحرب وتناولها سينمائيا بين الاختزال أو التبسيط المخل، وتمجيد البطولات العسكرية الأمريكية. وها هو العام يختتم بالحدث السينمائي الأكبر بفيلم عن نوع آخر من الحروب: «حرب النجوم Star Wars» في جزئه السابع وقد حطم أرقاما قياسية لإيرادات شباك التذاكر بالفعل في أيام عرضه الأولى. فيلم آخر عن حرب من نوع مختلف، الحرب الباردة، هو «جسر الجواسيس Bridge of Spies» عن صراع الجواسيس في زمن تلك الحرب. وشهد العام أيضا أكثر من فيلم عن سير ذاتية لمشاهير مثل «نظرية كل شيء» عن قصة حياة العالم الفيزيائي ستيفن هوكينغ، وفيلم تسجيلي عن المغنية إيمي واينهاوس، وقرب نهاية العام فيلم عن ستيف جوبز مدير شركة « آبل» الذي غير وجه ثلاث صناعات حول العالم: الكومبيوتر، والهواتف النقالة والموسيقى.
كانت هناك أفلام أثارت عواصف سياسية كادت تتحول إلى أزمات دولية مثل «المقابلة The Interview»، الكوميديا السياسية الماجنة التي تسخر من زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، الذي أطلق نظامه سلسلة من التهديدات ضد أبطال الفيلم، سث بروغن وجيمس فرانكو، والشركة المنتجة «سوني» إذا ما تم عرض الفيلم وهو ما أدى إلى تأجيل عرضه في دور السينما، إلا أن الملايين تمكنوا من مشاهدته عبر شاشاتهم المنزلية نظير بضعة دولارات. وقد تعرضت «سوني» بالفعل لعملية قرصنة أشارت أصابع الاتهام فيها إلى «بيونغيانغ» وتمخض الهجوم عن فضيحة سياسية أخرى داخل الولايات المتحدة، بعد نشر رسائل بريد إلكترونية متبادلة بين كبار موظفي الشركة تسخر من نجوم وسياسيين، بينهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
كل هذه العواصف السياسية نزلت بردا وسلاما على الفيلم الذي زادت شعبيته وإيراداته، كما لقي التفافا جماهيريا ردا على التهديدات، وترحيبا نقديا ليس فقط كعمل كوميدي ناجح، بل أيضا لسخريته اللاذعة من هوليوود ذاتها في تناولها الكاريكاتيري لأفلام الجاسوسية والأبطال الخارقين الذين ينقذون العالم من الأشرار في اللحظات الحاسمة الأخيرة، كل مرة.
هوليوود كانت موضع هجوم وسخرية أيضا في واحد من أفضل أفلام العام «الرجل الطير Birdman» الذي يسخر من موجة أفلام الأبطال الخارقين الذين أخذوا يتقافزون في السنوات الأخيرة من صفحات المجلات المصورة Comic books» إلى الشاشة الكبيرة في استثمارات سينمائية تدر مئات الملايين من الدولارات. فالفيلم يتناول قصة أحد نجوم تلك الأفلام ( مايكل كيتون) يكابد محاولات الخروج من القالب الأسطوري الذي سجنته فيه هوليوود ليثبت انه ممثل جاد من خلال تقديم عرض مسرحي في قلب «برودواى» حي المسارح في نيويورك.
لم ينقض عام 2015 بعد وصالات العرض تزدحم بحفنة من الأفلام الجديدة التي تتسابق استديوهات هوليوود على طرحها في الأسواق في موسم أعياد الميلاد والعام الجديد، الذي يشهد عادة إقبالا ملحوظا من عشاق السينما، وسوف نعرض لبعض هذه الأفلام في أوقات لاحقة. بعد هذه العينة المختارة من الأفلام التي أثارت اهتماما لجودتها أو بسبب القضايا التي تناولتها أو الجدل الذي أثارته.

«نظرية كل شيء The Theory of Everything»

من أفضل وأجمل ما شاهدت ليس فقط هذا العام ولكن ربما في الأعوام العشرة الأخيرة. فيلم نادر في تأثيره لأنك حتما ستشعر بأن شيئا ما تغير بداخلك، وكأنك شخص آخر مختلف عن ذلك الذي كنته قبل أن تشاهده. فيلم ملهم يحرك المشاعر بقدر ما يستفز العقل ويحفزك على أن تعيد تقييم نظرتك لأشياء كثيرة في حياتك الخاصة والحياة بشكل عام.
نعم فهو قصة حياة استثنائية wللعالم الفذ
ستيفن هوكنغ الذي شغل العالم بنظريته عن نشأة الكون التي لخصها في كتاب بعنوان «تاريخ مختصر للزمن» الذي احتل صدارة على قوائم الكتب الأكثر مبيعا في سابقة من نوعها ككتاب علمي شديد التخصص  ليس هذا فيلما واحدا بل عدة أفلام في واحد. هناك أولا قصة الحب الاستثنائية التي تجمع بطلي الفيلم. حب من أول نظرة – ربما ليس بالمعنى المتأجج على طريقة روميو وجولييت- بين الطالب المستجد ستيفن وزميلته جين وايلد ( الفيلم مأخوذ عن مذكراتها الشخصية بعنوان «السفر إلى الابدية: حياتي مع ستيفن» في جامعة كمبريدج البريطانية ورحلتهما  معا عبر طريق مضن مضمخ بمشاعر الإخلاص والتفاني والتضحيات، بدونها كان يستحيل على كليهما التغلب على تلك الصعاب التي يئن تحت وطأتها أي إنسان وليس أقلها مرض عضال راح يستفحل تدريجيا حتى أقعد صاحبه تماماً عن الحركة أو الكلام، وصار سجين كرسي متحرك. تفاصيل قصة الحب اللارومانسية – بمعنى الواقعية جداً- تتشابك خيوطها مع قصة معاناة البطل مع المرض الزاحف تدريجيا وبسرعة متزايدة حتى يتحول في النهاية إلى الاعتماد التام على الآخرين في تفاصيل حياته اليومية. ومن ناحية ثالثة تتشابك القصتان مع مشوار كفاح البطل لبلوغ طموحه العلمي، خاصة حين يسلك طريقا غير مألوف في أطروحته العلمية حول نشأة الكون، التي تلقى إعجاب وتقدير أساتذته. مشوار الطموح العلمي هذا سينتهي به كأحد أشهر علماء العصر في الفيزياء الذي لايزال يشغل العالم بآرائه وأطروحاته المتجددة. 
القصص الثلاث: الحب فالزواج وتكوين أسرة سعيدة صغيرة، والمعاناة مع المرض العضال ثم قصة الكفاح والنجاح في تحقيق الطموح العلمي منسوجة ببراعة في سياق درامي شديد الواقعية، لا شك أن كونها حقيقية شكل سقفا يصعب تجاوزه أو معالجته رومانسيا أو ميلودراميا على الطريقة الهوليوودية.  فقصة الحب المتفاني التي انتهت بالزواج دامت عدة سنوات وأثمرت أبناء وبنات، لكنها مع ذلك انتهت على نحو ودي وإن لم يخل من الأسى حين ظهر شخص جديد في حياة الزوجة، فبدت وكأن مشاعر الحب التي استيقظت بداخلنا فجأة كشفت لها أن جزءا غير يسير من مشاعرها نحو زوجها كان مدفوعا بمزيج من الشفقة والالتزام الأخلاقي، بدون أن ينفي ذلك صدق جذوة الحب الأولى. 
هذا فيلم جدير بالمشاهدة أكثر من مرة، وهو رغم تجذره في أرض الواقع قصة ومعالجة، إلا أنه يجسد ستيفن هوكنغ كبطل شبه أسطوري تتوارى أمامه خجلا صور كل أبطال هوليوود الخارقين من نوعية سوبرمان وباتمان وشركائهما. نوع نادر من البطولة الإنسانية الحق التي تنحني أمامها جباه الملايين من الأصحاء، فهو يكاد وإن بالمعنى المجازي، يقهر المرض ويتغلب عليه ليصنع مجده الشخصي كعالم فذ ينصت العالم لآرائه. وإن لم يكن كل ذلك كافيا لمشاهدة الفيلم، فما بالكم بالأداء المبهر للمثل البريطاني الصاعد إيدي ريدمين، الذي نال عن دوره أوسكار أفضل ممثل عن جدارة، وأكاد أجزم أنه لو كان ممكنا أن ينال أكثر من أوسكار لاستحقها جميعا بلا منازع، كما رشح وفاز بحفنة جوائز أخرى في بريطانيا والولايات المتحدة. علما أن فيلستي جونز رشحت بدورها للأوسكار عن دور البطلة.

« لعبة المحاكاة The Imitation Game»

فليم للمخرج مورتن تيلدم بطولة الممثل البريطاني الفذ بنديكت كامبرياش، يقدم نوعا آخر من البطولة بعيدا عن أفلام العضلات والخوارق، ورغم أنه يدور حول فصل مهم من فصول الحرب العالمية الثانية، إلا أنه نجح في تحاشي الانجرار وراء نزعات تمجيد الذات القومية وشيطنة الآخر «العدو»، التي تسم معظم أفلام الحروب خاصة الهوليودوية. بالقدر نفسه من الأهمية يسعى الفيلم لإنصاف بطله الذي عوضا عن أن يكافأ على عمله البطولي الذي أنقذ حياة عشرات الآلاف وساهم في وضع نهاية مبكرة للحرب، تلقى جزاء سنمار، نكرانا للجميل بل واضطهادا وسجنا فقط لكونه كان مختلفا في وقت لم تكن المجتمعات الغربية قد استيقظت بعد على فجر «الصوابية السياسية» ومفهوم المساواة بمعناها الإنساني الواسع.
مأخوذ عن قصة حقيقية صاغها أصلا في كتاب غراهام موور وأندرو هوجز، ويروي قصة محاولات المخابرات البريطانية « MI6» وكانت قد أنشات حديثا آنذاك (1939) فك شيفرة ماكينة معقدة يستخدمها الألمان وحلفاؤهم في تبادل الرسائل العسكرية السرية، وكانت تعرف باسم « Enigma». معضلة هذه الماكينة تتمثل في أن الشيفرة التي يستخدمها الألمان تتغير يوميا، ومن ثم فان نجاح الفريق في فك شيفرة رسالة واحدة قد لا يكون كافيا، خاصة أن هناك مئات الملايين من الشيفرات المحتملة. تستعين المخابرات بصفوة من علماء الرياضيات الشباب حديثي التخرج من جامعة كمبريدج المتخصصين في فك الشيفرات، وتعهد إليهم بالمهمة تحت رئاسة أحدهم وإشراف الكابتن دينيستون، قبل أن ينضم اليهم آلان تورينغ (كامبرباش) فيبدأ صراع تقليدي بين الأقران، قوامه لا المنافسة المهنية فحسب، وإنما يتأجج بسبب شخصية الأخير الانطوائية التي تتحصن وراء نزعة تعال تعبر عن نفسها في التعامل مع أقرانه بكثير من الكبر والغطرسة، ما يجعله مصب غضبهم وسخريتهم في الوقت ذاته. هذا الشقاق بينه وبين سائر أفراد الفريق الذي ينعكس على عملهم الذي يجري في مدرسة سرية لفك الشيفرات، في «بلتشلي بارك»، إذ يمضي كل منهم في طريق. ففي حين ينكبون هم على محاولات فك الشيفرة اليومية يشرع آلان في بناء ماكينة عملاقة يسعى من خلالها لمحاكاة أو تقليد الماكينة الألمانية تمكنه ليس فقط من فك شيفرة «أنغما» وإنما أي شيفرة أخرى، لكنه يصطدم بمشكلة تمويل المشروع بمبلغ يصل إلى مئة ألف جنيه استرليني، خاصة أن علاقته برئيس الفريق متوترة بسبب طبعه المتغطرس. تتغير آلية الصراع الداخلي مرة ثانية بانضمام جوان كلارك ( كييرا نايتلي) للفريق فيكون للعنصر النسائي تأثير إيجابي أولا على آلان فتقوده إلى تغيير طريقة تعامله مع زملائه من التنافس إلى التعاون وإن ظل التوتر كامنا تحت السطح.
هذه الأحداث تجري على خلفية احتدام المعارك على جبهات القتال وتصاعد هجمات الألمان ومعها خسائر الحلفاء، مما يراكم الضغوط على فريق العمل الاستخباراتي الذي يدخل في سباق حقيقي مع الزمن. نجاح الفريق في مهمته سيكون عملا بطوليا بكل المقاييس، من شأنه تغيير مسار الحرب العالمية الثانية، كما هو ثابت تاريخيا، لكن الجانب البطولي في الفيلم يخفي وراءه جانبا مظلما يتعلق بحياة البطل كانت الإشارات إليه تتوالى على نحو خفي طوال الأحداث، سواء من خلال العلاقة الرومانسية الفاشلة التي تنشأ بين آلان وجوان، أو من خلال لقطات استرجاعية سريعة لماضي البطل طفلا في المدرسة يتعرض للترهيب من رفاقه بسبب شخصيته الانطوائية. هنا يبدو تميز الفيلم ما يجعله أكثر من مجرد عمل عن بلاء الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بل سعيه لإنصاف بطل الفيلم حين تقود الصدفة وحدها لاكتشاف حقيقة أن البطل مثلي الجنسية في زمن كانت تلك تعد جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن. وبالفعل يحكم عليه بالسجن ولا يشفع له العمل البطولي الذي أسداه إلى وطنه، ويكون خلاصه الوحيد بعد أن يفرج عنه أن يجبر على تعاطي أدوية بعينها لمقاومة نزعاته المثلية تلك، في وقت كان المجتمع يعتقد فعلا أن ذلك مرض يمكن علاجه والشفاء منه. المأثرة الخيرة التي أهداها العالم الفذ آلان تورينغ إلى البشرية نكتشفها في اللحظات الأخيرة من الفيلم، حين نقرأ على الشاشة أن تلك الآلة العجيبة التي اخترعها وشيدها بنفسه وتمكن بواسطتها من فك شفرة «أنغما» لم تكن سوى النموذج الأم لما يعرف اليوم بالكومبيوتر. تورنغ إذن هو الأب الحقيقي لهذا الاختراع الذي غير وجه البشرية. كامبرباش الذي كرم مؤخرا في بريطانيا حيث منحته الملكة اليزابيث لقب «فارس»، رشح عن دوره في الفيلم لأوسكار أفضل ممثل التي ذهبت لمواطنه إيدي ريديمين.

«غضب FURY»

هذا الفيلم بدأ عرضه في نهاية عام 2014 / 2015 الا انه جدير بالتناول هنا لأنه جزء من ما يمكن وصفه بموجة لأفلام الحرب تطل برأسها مؤخرا من هوليوود قد تكون على علاقة بتفاعلات السياسة الامريكية داخليا ودوليا، خاصة مع تصاعد لافت لأجواء الحرب الباردة مصحوبة بقاموس مصطلحات الحرب على الارهاب، كل هذا في ظل احتدام موسم الانتخابات الرئاسية وتصدر قضية دور الولايات المتحدة كقوة عظمى بين االديبلوماسية والقوى الناعمة وبين التدخل العسكري مجددا.
« غضب أو حنق Fury» يمكن القول انه فيلم يسير على « الصراط المستقيم»، أن جاز التعبير، لأفلام هوليوود الحربجية، خاصة فيما يتعلق بشيطنة الآخر العدو، لكنه اذا تجاوزنا عن هذا التقليد المستهلك يتميز بدرجة عالية من الصدق في تصويره لواحدة من اهم ديناميات الحرب عبر تركيزه عدساته الشديد على طاقم دبابة بعينها يقودها الرقيب « كولير Collier « الشهير ب «ووردادي “Wardaddy ( براد بيت) بدبابته التي يحمل الفيلم اسمها، وهى كل ما تبقى من كتيبة الدبابات التي ينتمي لها. طاقم الدبابة بقيادة « كولير» هم ابطال الفيلم وقد اولى المخرج « دافيد آير» وهو ايضا كاتب السيناريو، عناية فائقة لرسم الشخصيات الخمس وهم إلى جانب « براد» : « شايا لابوف» ( الذي لمع لأول مرة في سلسلة أفلام « المتحولون “Transformers ويؤدي هنا واحدا من افضل أدواره تعمد أن يكسر احد اسنانه الأمامية حتى يتماهى تماما مع الشخصية كما رسمها المؤلف)، و « مايكل بينيا»، و « جون بيرنثا» و الشاب اليافع « لوغان ليرمان» الذي يؤدي دور جندي مستجد لا خبرة له على الاطلاق بالعسكرية وقد القى به إلى اتون الحرب وكل ما تلقاه كتدريب كان كموظف كتابي بسيط. نحن في الشهور الأخيرة للحرب العالمية الثانية في ابريل 1945 حيث يتجرع اللألمان مرارة الهزيمة لكنهم لم يقرروا الاستسلام بعد، وقد دفعوا بكل رجل واشب وفتى إلى جبهات القتال في محاولات يائسة لتغيير مسار الحرب.
الفيلم معتم جدا بالمعني الحرفي والمجازي، مع حرص المخرج على استخدام مقتصد للغاية للإضاءة، وقاتم لأنه يقدم صورة واقعية إلى حد الرعب للحرب بكل بشاعتها وضراوتها ولا انسانيتها. الكاميرا بالكاد تغادر محيط الدبابة وداخلها وحواليها، وهى تتقدم ببطء محسوب داخل عقر دار العدو في المانيا، وقد اوكلت للكتيبة مهمة شبه مستحيلة حيث يتفوق العدو عليهم عددا وعتادا فضلا عن الأرض التي تحارب دائما إلى جانب اصحابها. من خلال تسليط كاميرا دراما الحرب على هذه المجموعة يتابع المشاهد عن كثب التحولات التي تمر بها الشخصيات وهى تصطلي بنار المعارك ساعة بساعة في آتون الحرب اليومي، يوحدهم جميعا هدف مواجهة العدو والتغلب عليه، وفي الوقت نفسه سعى كل فرد منهم الأول والخير للنجاة بحياته والخروج من المعمعمة سالما، والعاملان يتضافران طوال الوقت ليصنعا منهم سويا كيانا جماعيا واحدا متوحدا دون أن يلغي أو يطمس فردية كل منهم. يتعامد مع هذه الثنائية الدرامية ازدواجية موازية لدراما الحرب وبالأحرى مأسويتها الانسانية، أو اللانسانية أن جاز التعبير. الحرب تؤدي بصميم طبيعتها إلى توحش المشاركين فيها عل اختلاف رتبهم وتراتبهم ومواقعهم على جانبي القتال، تجردهم تدريجيا من انسانيتهم وتحول كل منهم إلى آلة للقتل: هذا هو المحرك الأول والأخير في اي حرب: أن تقتل أو تقتل، أن لم تقتل عدوك سيقتلك. لكن الوجه الآخر لهذه الدينامية هو أن دوافع حب القاء والنجاة بالذات ومواجهة العدو تلك تقرب الجنود وتعمق اواصر الرابط لانساني بينهم كجماعة في مواجهة جماعة اخرى، تقريبا في نفس الللحظة: فانت تتجرد من انسانيتك وتتوحش لتقتل عدوك وفي نفس الوقت لا تتردد في أن تضحي بنفسك لانقاذ رفيقك في القتال.
بين هاذين الحدين يتنقل الفيلم بشخوص الدراما الملحمية فيما لا تتوقف الكاميرا عن استعراض الأثمان الباهظة التي تقتضيها من أرواح البشر مقاتلين ومدنيين في لقطات صادمة احيانا ومرعبة احيانا أخرى، وصولا إلى مشهد رئيسي يلخص ويجسد افضل ما في هذا الفيلم. فالكتيبة التي تتقدم ببطء داخل في عمق الأراضي الألمانية تصل إلى هدفها المتمثل في الاستيلاء على بلدة بعينها وهو ما يتم لهم بعد معركة شرسة. يعيث الجنود في البلدة بحثا عن عنائم حرب، من مجوهرات وخمور ونساء، فيما يلمح « كولير» امرأة تطل من خلف ستائر نافذة في بناية شبه لاتزال منتصبة وسط الدمار، فيصطحب الجندي المستجد « نورمان» معه ليستشكفا الأمر. بعد أن يستجوب « كولير» ( الذي يتحدث الألمانية) المرأة « إرما» ما اذا كانت تخبئ جنودا ألمان في شقتها، يقوم بتفتيشها فيعثر على فتاة صغيرة جميلة مختبأة تحت السرير، « إما» هى ابنة أخت المرأة، . يعطيها « كولير» علبة سجائر كهدية ويعطي المرأة « إرما» ست بيضات لتعد لهم افطارا ويطلب منها أن تعد له ماء ساخنا ليغتسل. في هذه الأثناء يبدأ « نورمان» في العزف على البيانو الموجود بالشقة، فتقترب منه « إما» وقد شدها عزفه المحترف وتشرع بالغناء مصاحبة له. حين يعود « كولير» ويشاهد هذا التناغم بين الشاب والفتاة، يطلب منه أن يصطحبها إلى الفراش، وحين يلمح تردده يخيره بأن يفعل أو يصطحبها هو، وحين تعترض الخالة، يخبرها « كولير» أن تتركهما قائلا « دعيهما.. فهما صغيران. ولازالا احياء». في استراحة المحارب القصيرة تلك، نلتقط نحن انفاسنا ونحن نتابع كيف يسترد البشر آدميتهم، ويظهرون افضل ما في انسانيتهم حين يتحررون من غرائز الخوف والدمار والانقضاض على بعضهم البعض. يصل المشهد إلى ذروته حين يحضر بقية طاقم الدبابة ويجلس الجميع لتناول الافطار، فيما اثنان منهم في حالة سكر بين حيث يحاولا اقناع « نورمان» أن يفوزا بدورهما مع الفتاة « إما» التي تشرع في البكاء بسبب المعاملة الفظة التي تتعرض لها منهما، إلى أن يتدخل « كولير» لحسم الأمر بعد شد وجذب قبل أن يغادر الجميع المكان على اثر وصول اوامر جديدة بالتحرك، فيما ينتزع الرفاق الشاب « نورمان» من بين يدي حبيبته وهما يحاولان تبادل العناوين في اللحظات الفاصلة. لا استراحة المحارب دامت طويلا، ولا قصة الحب كتب لها أن تدوم، ولا طاقم « الغضب» سيكنب له البقاء على حاله حين تلقة الحرب بظلالها الكئيبة مجددا على الجميع قبل أن تضع أوزارها.

«قناص أمريكي American Sniper»

اثار هذا الفيلم حين بدأ عرضه في يناير من العام الجاري جدلا واسعا وكثيرا من اللغط وردود فعل غاضبة احيانا عدة في مقدمتها انه حول حرب العراق، وتلك في حد ذاتها كانت ولاتزال وربما ستظل لسنوات قادمة محل جدل شديد بل لا نبالغ أن قلنا انها ستدخل كتب التاريخ كواحدة من اكثر حروب العصر الحديث اثارة للجدل. الأهم من ذلك، لو نحينا جدل الحرب جانبا، فإن الجدل حول الفيلم ذاته لا ينبع من كونه حول حرب العراق، بل لأنه تحديدا ليس حولها، أو لنقل يتجاهلها تماما مع سبق الاصرار والترصد. الفيلم الذي اخرجه احد المع مخرجي هوليوود ونجومها المخضرمين، « كلينت إيستوود»، ليس عن حرب العراق بل كما يشي عنوانه عن « قناص أمريكي» بعينه اسمه « كريس كايل» ( برادلي كوبر)، وينهض السيناريو كلية على مذكراته التي نشرها في كتاب قبل وفاته. ومن ثم فالفيلم لا يتناول ولا يتطرق إلى اى من القضايا الشائكة أو المثيرة للجدل بشأن الحرب ذاتها، كأسبابها الحقيقية أو حفنة الأكاذيب التي روجت لشنها ولا نتائجها وتداعياتها وضحاياها وما لا حصر له من القضايا ذات الصلة. في هذه الحدود يمكننا الحكم على الفيلم من زاوية بعينها هى مدى التزامه بالكتاب ومدى الصدق في ترجمته إلى عمل سينمائي. ولن يحول ذلك بطبيعة الحال من غضب الغاضبين الذين اتهموا الفيلم بتقديم صورة زائفة عن الحرب ومآلاتها ونتائجها الكارثية سواء على الجانب العراقي أو الأمريكي.
الفيلم في هذا السياق تحديدا يوشك أن يكون مقدما كلية من وجهة نظر القناص، والمخرج بالفعل يكاد أن يختصر رؤيتنا لهذا « العراق» الذي يقدمه في الفيلم من خلال العدسة المكبرة لبندقية القناص، التي تتحول في الحقيقة إلى عدسة المخرج ذاته. نحن لا نرى العراقيين الا من خلال هذه العدسة، فهم إما أهداف مباشرة لرصاص القناص بوصفهم اعداء أو عناصر ميليشيات أو مقاومين أيا ما كانت المسميات التي يختارها كل امرئ ( حسب موقفه من الحرب بالطبع) يجب قنصهم واصطيادهم، وإما أنهم أهداف جانبية أو ضحايا عارضة “ COLLATERAL DAMAGE” لأداء القناص عمله بإخلاص وتفاني. ولا يتوقف الفيلم كثيرا عند مشاهد الأهالي المذعورين لدى اقتحام الجنود منازلهم بحثا عن مقاتلين عراقيين أو قناصة أو ما شابه. الشخصية العراقية الوحيدة التي يتوقف عندها المخرج عن قرب هى لقناص يعتلي بناية مقابلة لموقع « كريس» وعمله يتلخص تماما مثل نظيره الأمريكي في اصطياد الجنود الأمريكيين. هذه الشخصية لا نعرف عنها شيئا ولا حتى اسمها، وهى لا تنطق بجملة حوار واحدة في الفيلم كله. اما المفارقة الأغرب أن هذا الدور لمقاتل عراقي اداه ممثل امريكي من اصل مصري.
شخصية القناص نفسه ( التي اداها « كوبر» باقتدار) مقدمة في سياق أميريكي صرف يكاد يتماهى كلية مع الصورة النمطية الدعائية للجندي الأمريكي ( واى جندي كما تحرص كل الجيوش في هذا الصدد على تصوير مقاتليها كأبطال متفانين من أجل الوطن). . نحن نراه في لقطات سريعة في مطلع الفيلم واخرى استرجاعية كابن عائلة امريكية بيضاء أنشاه ابوه أولا واخيرا للدفاع عن ذويه داخل الأسرة أو خارجها، يصطحبه في رحلات الصيد ليكتشف انه يتمع بموهبة خاصة في التصويب بعد أن يصطاد غزالا بطلقة واحدة. وعلى مائدة الطعام يلقن الأب أولاده فلسفته في الحياة التي يلخصها في انقاسم العالم إلى ثلاثة انواع من البشر: خراف لا يؤمنون بوجود الشر، وذئاب لا هم لهم سوى ارتكاب الشر، وكلاب الحراسة الموكول اليها حماية الخراف من الذئاب. هذا هو الدرس الذي يستوعبه « كريس « طفلا جيدا ويرافقه طوال حياته. وبالفعل منذ انضمامه للخدمة العسكرية يظهر « كريس» قدرات خاصة بدنية وذهنية، ويتم اختياره لقوات النخبة الأعلى تدريبا في الجيش الأمريكي NAVY SEALS».
بعد أربع دورات خدمة في حرب العراق، يكتسب « كريس» سمعة كقناص وبطل اسطوري في اعين زملائه وذويه لدى عودته إلى عائلته، فقد أنقذ حياة العديد من رفاقه في الميدان بسبب دقته الفائقة في التصويب. لكن مشاكله الحقيقية تبدأ بعد عودته إذ يبدو اولا عاجزا عن التكيف مع محيطه الجديد، وهى مشكلة يواجها العديد من الجنود العائدين من الحرب، ويشعر برغبة جارفة للعودة مجددا ويكون ذاك موضع جدل وخلاف حاد بينه وبين زوجته، التي ترفض تماما حججه في أن رفاقه في مسيس الحاجة اليه لحمايتهم في ميدان القتال، فيما هى ترى أن واجبه الأول والأخير تجاه اسرته وأطفاله الصغار. لكن متاعبه لا تقف عند هذا الحد، فهو يبدو كما لو انه يعاني من بعض أعراض « اضطراب توتر ما بعد الصدمات POST-TRAUMATIC STRESS DISORDER» أحد اكثر الاضطرابات شيوعا بين الجنود العائدين من الحرب. المفارقة الأكثر مأساوية أن القناص البطولي الذي انقذ حياة العشرات من زملائه وعاد إلى وطنه واسرته اربع مرات متتالية مكللا بالغار ونياشين البطولة، سيلقى حتفه على نحو مجاني اعتباطي بيد جندي آخر تطوع هو لمساعدته وغيره من الجنود الذين يعانون من نفس الاضطراب الذي يصيب العائدين من الحروب.
جانب من الجدل الذي اثاره الفيلم يعود لمخرجه «كلينت إيستوود» المعروف جيدا بأرائه ومواقفه السياسية اليمينية المحافظة، وهو الذي شارك في مؤتمر الحزب الجمهوري قبيل انتخابات 2012 وقدم فاصلا تهكميا من الرئيس اوباما حيث ظهر على المسرح متحدثا إلى كرسي فارغ على أنه الرئيس. ولاشك أن اختياره لمذكرات القناص وتقديمها لها على هذا النحو الذي يمجد صورة الجندي الأمريكي يتسق كثيرا مع قناعاته الفكرية. بل أن المرء ليتساءل هنا ما إذا كان السجل السينمائي الحافل لإيستوود برمته يتسق مع تلك القناعات. لقد بزغ ممثلا في فجر مشواره السينمائي من خلال أفلام « رعاة البقر» أو ما اصطلح على تسمتيه آنذاك بأفلام « ويسترن سباجتي» مثل « الطيب والشرس والقبيح»، و « من أجل حفنة دولارات»، و « من أجل مزيد من الدولارات». وفي مرحلة لاحقة صنع « إيستوود» مجده السينمائي من خلال شخصية « هاري القذرDIRTY HARRY « ضابط الشرطة العنيد الذي لا يتوانى عن تجاوز كل القوانين والقواعد في سبيل انفاذ القانون والقبض على المجرمين والأشرار. وهذا نموذج آخر من البطل الذي يمجد القوة الفردية على طريقة رعاة البقر.
كل هذا لم يمنع البعض على الجانب الأمريكي من توجيه انتقادات حادة للفيلم ومخرجه، بأنه تعمد استبعاد تفاصيل وأحداث كثيرة في المذكرات الشخصية ل « كريس كايل» كان من شانها أن تظهره في صورة مختلفة تماما، ربما أكثر انسانية.
هذا جدل قديم يتجدد مع كل فيلم مأخوذ عن اصل ادبي بطبيعة الحال ولا يعنينا الخوض فيه أو حسمه هنا. لكن في مقابل المنتقدين كان هناك مؤيدون ومتعاطفون مع الفيلم ومع صورة « كريس» على النحو الذي قدمت عليه، ومعظم هؤلاء من الجنود والضباط السابقين الذين انصهروا في آتون لحرب وذاقوا ويلاتها مباشرة. هؤلاء يقولون أن الغالبية العظمى من الأمريكيين المدنيين لا يعرفون شيئا عن الحروب إطلاقا ومن ثم قد يكون من السهل عليهم انتقاد الفيلم من هذه الزاوية أو تلك. لكن أحد الحقائق التي لابد وان يخرج بها المشاهد من هذا الفيلم مرة ثانية، هو أن ألة الحرب الدعائية، أية حرب، تسعى في سياق إعدادها للجنود كآلات للقتل، إلى نزع أدمية العدو وشيطنته كشرط اساسي لاستباحته وشرعنة قتله. لكن هذه العملية ذاتها بصميم طبيعتها لابد وان تؤدي في المحصلة النهائية إلى نزع آدمية الجنود أنفسهم، ولا غرو أن نرى الكثيرين منهم يتجرعون عذابات

أضغط هنا لقراءة بقية الخبر من المصدر




0 تعليق

مركز حماية DMCA.com