http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

فيلم «فتاة غائبة» للمخرج دافيد فينشر: الإعلام الشعبوي ودوره في صناعة الرأي العام الأمريكي

القدس العربي 0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

سليمان الحقيوي



فيلم فتاة غائبة/ Gone Girl للمخرج الأمريكي دافيد فينشر مقتبس عن رواية للكاتبة جوليان فيلين، التي صدرت بالعنوان نفسه قبل عامين، وظلت لأسابيع تتصدر قائمة نيويورك تايمز لأكثر الروايات مبيعا محققة أكثر من 6 ملايين نسخة قبل أن تطبع ورقيا! لذلك لم يكن مفاجئا أن يحقق الفيلم تفاعل الجمهور، بل المفاجئ هو طريقة المخرج الفريدة في التعامل مع هذا النص.
على طريقة هتشكوك، نتعرف على الفتاة المختفية إيمي دون/ روزاموند بايك، التي لم يجدها زوجها نيك دون/ بين أفليك في البيت صبيحة اليوم الذي يصادف عيد زواجهما الخامس، مع وجود حالة فوضى بالبيت بما يعزز افتراض خطفها، تستمر الأحداث، وتضيق دائرة الإدانة حول نيك، فيصير هو المشتبه الأول في اختفاءها ويواجه تهمة القتل. تتسارع الوقائع بفعل التغطية الإعلامية المكثفة للحدث، فأصبح نيك بسرعة أكثر شخص مكروه في البلاد، ثم يتغير سير الأحداث عندما يكتشف خطة زوجته للإيقاع به، حيث رسمت سيناريو محكم تاركة وراءها أدلة تدينه، كيومياتها التي كتبتها وفق نية مسبقة، ومشتريات ببطاقته الائتمانية ورسائل تثير الشك. ستتوارى إيمي عن الأنظار داخل غرفة في نزل على الطريق وتتابع تغطية حدث اختطافها على التلفاز، ولكنها تتعرض لسرقة كل المال الذي بحوزتها، فتضطر لتغير الخطة، لذلك ستعود لصديقها الثري (ديزي/ نيل باتريك هاريس)، وتخبره بقصتها الكاذبة عن نيك، ثم تقوم بقتله مثبتة حالة اختطافه لها، بواسطة تسجيل لكاميرا المنزل كانت قد أعدته في غيابه، وتجعل قتله دفاعا عن نفسها. تعود إيمي إلى بيتها وهي تحكي قصة الاختطاف بوثوقية كبيرة، ورغم يقين نيك بقصتها الكاذبة، لم يستطع إثبات شيء ضدها، بل لم يستطع التهرب من قصة الطفل الذي تحمله في بطنها، واضطر لمسايرتها. سيتضح في النهاية أن إيمي هي فتاة خطيرة ومريضة نفسيا، لفقت تهمة بالاعتداء لصديق قديم أيضا، ثم تهمة القتل لزوجها نيك، وقتلت بطريقة وحشية ديزي. هي فتاة ذكية جدا، لكنها توظف هذه القدرة في الإساءة للناس، وحالتها النفسية تعود للتربية التي وجدتها من أب وأم جعلاها مركزا لعنايتهما وبالغا في دلال صغيرتهما، فنما الجانب الأناني لشخصيتها، وأصبحت تريد إدارة كل شيء من حولها وفق خطة تضعها هي.
جزء كبير من جمالية هذه القصة موجود في الطريقة المثيرة التي كانت تتحرك بها الأحداث، فالمشاهد لم يكن مدعوا، للمشاركة في توقع ماستؤول إليه النهاية، ولم يفلح في افتراضاته العديدة التي تغيرت كل مرة لكن دون أن تصيب. إن سمة من سمات أفلام ألفريد هتشكوك حاضرة لدى فينشر، لذلك يلقب بهتشكوك العصر الحديث، فالإثارة استمرت منذ بداية الفيلم باختفاء ايمي والكل اعتقد أن قاتلها هو زوجها نيك، ليكشف لنا المخرج بعد ذلك لعبة إيمي الخبيثة في الإيقاع بزوجها، لكن لم نتوقع رغم ذلك أن تقتل شخصا قدم لها يد العون.
دافيد فينشر يضيف قصة أخرى إلى متنه السينمائي، فيلم هو العاشر في مسيرة مميزة، بعد نجاحات كبيرة كأفلام: (سبعة) و(الفتاة ذات وشم التنين) و(زودياك) و(الحالة الغريبة لبينجامين بوتون ) و(اليانز) و(اللعبة)، وكلها أفلام اشتغل عليها بطريقته المثيرة والغريبة والجميلة في عرض الأحداث، وبنائها، فرغم خضوع جل أفلامه للبناء الكلاسيكي للقصة والسيناريو، فهو يتفوق في جعل كل قسم من الأقسام الثلاثة (بداية –وسط – نهاية) قسما غنيا وبدواليب خاصة، وهذه السمة حضرت في فيلم (فتاة غائبة) أكثر من غيره. منذ بداية الفيلم أعلن المخرج عن جو القلق بمشاهد ثابتة ومتنوعة متتالية، وموسيقى تصويرية ملفتة، وجعل الكل يوقن بجدية القصة التي سيشاهدها، واستمر المخرج في لعب أوراقه الفنية بعدم الإطالة في المشاهد رغم طول مدة الفيلم 147 دقيقة، وبنى القصة بالشكل الذي يحمل فيه كل مشهد حدثا جديدا ومهما، ولم يعمد إلى الحوارات الثنائية الطويلة التي تشتت الانتباه، وتدفع التركيز. فالمعالجة الدرامية، اهتمت بجوانب السرد حيث جعل بطليه يحكيان القصة، كل من زاويته، بلغة جميلة تستند على تجربتهما في الكتابة، وانتقلت الحكاية بين العودة في الزمن والرجوع إلى الحاضر، دون أن تفقد ميزة الإثارة، واستطاع مدير التصوير جيف كورننويث، دعم الانتقال في الزمن باختيار الألوان المناسبة للحالات التي تُعرض فالماضي كان مشرقا نسبيا، لذلك وجدنا ألوانا أقل قتامة وإضاءة تعكس حالة الزوجين العادية، ليعود بألوان وإضاءة تبعث على الغموض والقلق. ورغم مبالغة القصة في تداخلاتها الزمنية، لم يغب الخيط الرئيسي للحكي بفضل، المساعدة السردية التي أضافها الراويان (نيك وزوجته) والمؤشرات الزمنية المكتوبة، التي صاحبت سير القصة على الشاشة. وقد أسند المخرج دور البطولة للممثلة الانكليزية روزماند بايك، بل قدم لها دور العمر، لأن مشاركتها في أفلام سابقة منذ سنة 2002 لم تعلن عن اسمها أو موهبتها، لذلك فبداياتها الحقيقية، ستكون بعد حضورها القوي في فيلم فتاة غائبة، ولاشك أن الدور سيقودها للترشح للأوسكار عن أفضل دور رئيسي، فقد تماهت مع دور الضحية، وانقلبت إلى دور الجلاد، دون أن تفقد توازنها ونسقها القوي. أما بين أفليك فقد جعل الكل يعتقد أنه قاتل، من خلال حالات الارتباك والارتياب التي استطاعت تشكيلها بتواصله الحذر مع المحققين ورسمه لملامح الشخصية المغفلة التي لا تنتبه لما يجري من حولها، والأداء الجيد في العمل جاء أيضا من شخصيات ثانوية أخرى كالممثلة كاري كوون في دور أخت نيك، والممثل تايلر بيري في دور محامي الدفاع.
الروائية (جوليان فيلين) هي من كتبت السيناريو لهذا العمل، وفق اتفاقها مع المخرج على كيفية معالجة الأحداث، وقد عرفها القراء من خلال روايتين سابقتين، (أدوات حادة) و(أماكن مظلمة)، وقبل أن تتجه لكتابة الرواية عملت مدة طويلة في مجال الإعلام كناقدة تلفزيونية في (أنترتينمت ويكلي)، وهذه التجربة مكنتها من فهم عمق اشتغال الإعلام في أمريكا، لذلك ستستثمر الإعلام كعنصر فاعل في البناء الدرامي لفتاة غائبة، كما استطاعت أن تجعل الحوار خادعا ومتحايلا، لإضفاء التشويق على الأحداث، ولم تغيِّب الغموض عن كل أطوار القصة.
رغم معالجة هذا الفيلم لقصة اختفاء، فهو في الواقع يمرعلى قضايا أخرى غير ذلك، أبرزها العلاقات الإنسانية المنكسرة في أمريكا والضغط الممارس على الإنسان هناك من كل الاتجاهات حتى نحو نفسه، مجتمع يسير في طريق الهاوية. ثم هناك دور الميديا في صناعة الرأي العام، والتلاعب بالعقول، وصناعة الأزمات، فالإعلام السائد في أمريكا الآن هو الإعلام الشعبوي، وما قصة نيك وزوجته إلا واحدة من قصص تحدث كل يوم بطرق أخرى غير الاختفاء والقتل، في ظل ما يعانيه الناس هناك من أزمات نفسية واقتصادية تهبط بهم إلى القاع. ودافيد فينشر يعود في كل مرة ليشاكس المجتمع الذي ينتمي إليه برؤية معاكسة وكاشفة بعيدا عن الحلم الأمريكي الخادع.

ناقد مغربي

سليمان الحقيوي

أضغط هنا لقراءة بقية الخبر من المصدر




0 تعليق

مركز حماية DMCA.com