http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

بيليه.. صانع أمجاد سانتوس ودجاجته التي تبيض ذهبًا

الشرق الاوسط 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

آخر تحديث: الأربعاء - 3 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 13 يناير 2016 مـ



وقت أن كان سيرك الفريق البرازيلي يتجول عبر القارات المختلفة لجمع الأموال

الخميس - 4 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 14 يناير 2016 مـ رقم العدد [13561]

قد تكون واحدة من أكثر الشكاوى ترددًا حيال كرة القدم المعاصرة أن بؤرة اهتمامها أصبحت مقتصرة على المال، وأنها تحولت من لعبة ممتعة إلى وسيلة لكسب المال، الأمر الذي اقتطعها من جذورها الساحرة، وأكسبها وجهًا آخر قبيحًا يختلف تمام الاختلاف عن وجهها في الماضي. بالطبع كل ما سبق صحيح، لكن تبقى الحقيقة أن التلميح إلى أن الكرة لم تكن دومًا مرتعًا لأصحاب السعي الحثيث وراء المال، محض هراء واختلاق. والمؤكد أن ما شهده الحقل الكروي فيما مضى سيظل يتكرر مرة بعد أخرى، لتبقى حقيقة الموقف أنه لا جديد تحت الشمس.

في منتصف خمسينات القرن الماضي، كان سانتوس البرازيلي واحدًا من الأندية البارزة. كان النادي قد حصد بطولة إقليمية عام 1935 خلال الفترة السابقة لإقرار بطولة الدوري البرازيلي لكرة القدم (كامبيوناتو برازيلييرو). كما ساعدت مجموعة من اللاعبين الموهوبين النادي في الفوز ببطولة «بوليستا» مرتين عامي 1955 و1956.

وبذلك، فإنه مع خوض بيليه مباراته الأولى في صفوف سانتوس عام 1957، كان النادي قد تحول بالفعل إلى قوة رياضية لا يستهان بها. إلا أن هذا لا ينفي أن عبقريته أسهمت في دفع الفريق نحو مزيد من النجاح، ليحصد عشر بطولات على مستوى الولاية، وست بطولات وطنية، وبطولة كأس «ليبرتادوريس» مرتين. ومع ذلك، كانت المشكلة التي جابهت سانتوس أنه نادٍ محدود الموارد نسبيًا، يملك استادًا صغيرًا اضطر النادي إلى التخلي عنه لصالح استادات أكبر في مبارياته المهمة. وعليه، كان جني المال مشكلة أمام سانتوس. ومن أجل الحفاظ وإضافة مزيد من العناصر إلى فريقهم المليء بالنجوم، حاول القائمون على النادي جمع أموال من خلال صفقات عقارية. إلا أنه عندما منيت هذه المحاولات بالفشل أدركوا أن كوكبة النجوم الرائعين في صفوف النادي يمكنهم أن يجنوا كثيرا من المال من وراء جولات خارجية مع الأندية الراغبة في مواجهتهم بمختلف أرجاء العالم. وعليه، مضى النادي بهذا الاتجاه.

وكتب بيليه عن هذا الأمر في سيرته الذاتية قائلاً: «كان هناك طلب علينا، وأبدى كثيرون استعدادهم لإغداق المال»، وبالفعل، انهمرت الأموال، لكن جدول مباريات الفريق أصبح مزدحمًا على نحو يتعذر الوفاء به. على سبيل المثال، ما بين أواخر مايو (أيار) ومطلع يوليو (تموز) 1959، خاض الفريق 22 مباراة في ثماني دول بمختلف أرجاء أوروبا، منها لقاءات أمام ريال مدريد وبرشلونة وهامبورغ وفينورد وسبورتنغ. وكتب بيليه عن ذلك يقول: «كان ذلك سخيفًا، فلم يكن هناك وقت لنيل قسط من الراحة، حيث كان الوقت يكفي بالكاد للتنقل من استاد إلى آخر». بحلول عام 1962، وصل سيرك سانتوس المتنقل إنجلترا. وبطبيعة الحال، كانت نقطة البداية الطبيعية نادي شيفيلد وينزداي. آنذاك، كان النادي الإنجليزي في منتصف جدول ترتيب الأندية في دوري الدرجة الأولى المسمى حاليا الدوري الممتاز، وذلك لدى قدوم بيليه ورفاقه. وسيطرت على الأجواء مشاعر بالإثارة. وانتهت مواجهة الفريقين في حضور 50 ألف متفرج بفوز البرازيليين بأربعة أهداف مقابل هدفين. ونجح كوتينهو العبقري في إحراز ثلاثة أهداف، بينما سجل بيليه الهدف الرابع من ركلة جزاء. جدير بالذكر أن بيليه وصف ذات مرة ركلات الجزاء بأنها أسلوب «جبان» لإحراز الأهداف، ولم يكن يقبل في العادة على لعب هذه الركلات. ووصفت صحيفة «تايمز» البريطانية المباراة وقتها بين فريق يمتلك القوة البدنية وهو الفريق الإنجليزي وفريق يمتلك المهارات وهو الفريق البرازيلي.

بطبيعة الحال، تركزت الأنظار خلال اللقاء على بيليه، خصوصا أن ذلك اللقاء ربما شكل السبيل الوحيد أمام الجماهير الإنجليزية لرؤيته بعيدًا عن أضواء بطولة كأس العالم التي تقام كل أربع سنوات. وكتب إريك تود في صحيفة «غارديان»، معلقًا على المباراة بقوله: «عندما يمعن المرء النظر في الأوصاف الضخمة التي نغدقها على بعض من المهاجمين الإنجليز، تتجلى أمامه مدى صعوبة إيجاد أوصاف تفي بيليه حقه». وقال مراسل «تايمز» إن محاولة احتوائه كانت أشبه بمحاولة «تقييد قامة من النور داخل علبة ثقاب. في لحظة ما يبدو وديعًا للغاية وأشبه ما يكون بهرة نائمة، وفجأة في اللحظة التالي يختفي داخل مساحة مفتوحة بسرعة خاطفة، ويمر بخفة من أمام لاعب تلو الآخر حتى يتركهم وراءه يبحثون في حيرة عن الكرة». واستمرت الجولات الرياضية متنقلة عبر مختلف القارات، لدرجة أن هناك أقاويل تشير إلى أن الحرب الأهلية في الكونغو توقفت بصورة مؤقتة كي تتمكن الجماهير من مشاهدة بيليه في سلام. وعن ذلك، قال بيليه: «قيل إنه جرى إقرار وقف إطلاق نار لمدة 48 ساعة فقط من أجلنا.. لكنني لست على ثقة من صحة هذا الأمر».

بحلول عام 1969، عاد سانتوس إلى الأراضي الإنجليزية، لكن هذه المرة لمقابلة ستوك سيتي، باعتباره النادي الوحيد الذي نجح في توفير مبلغ الاستضافة الذي وصل إلى 12 ألف جنيه إسترليني. وقد دفع ستوك سيتي المبلغ مع حصوله على ضمانات بمشاركة بيليه. من جديد، كان بيليه نجم اللقاء، وسجل هدفًا وصفه مايكل كاري في «غارديان» بأنه يكشف عن مستوى «مذهل من الذكاء»، حيث تمكن من مراوغة ثلاثة مدافعين. قبل أن يضع الكرة بسهولة في شباك بانكس حارس الفريق الإنجليزي. وبعد ثلاث سنوات، عاد سانتوس إلى الأراضي الإنجليزية، وتلقى أول هزيمة له على الإطلاق عليها. أما المفارقة الكبرى فكانت تتمثل في أن الهزيمة جاءته على يد أستون فيلا الذي كان يلعب في دوري الدرجة الثالثة. وأنهى أستون فيلا اللقاء بهدفين مقابل هدف واحد. كان حارس مرمى سانتوس، سيجاس، قد رفض البدء في الشوط الثاني بذريعة أن أحد مصابيح الإضاءة العملاقة بالملعب انطفأ، الأمر الذي تسبب في تعطيل المباراة بعض الوقت. في النهاية، نجح المسؤولون في تهدئة أفراد الفريق الزائر، لكن قد يكون هذا الموقف مؤشرًا على السأم الذي كان قد بدأ يتسلل إلى نفوس اللاعبين حيال جولاتهم المستمرة من دون توقف.

جدير بالذكر أنه لم تكن هناك أي مصابيح عملاقة مضاءة عندما عادوا مرة أخرى إلى استاد هيلزبورو لمواجهة شيفيلد وينزداي للمرة الثانية، وشاهد أكثر من 37 ألف الفريق الزائر يفوز بهدفين مقابل لا شيء. رغم أن المباراة شهدت في نهايتها حلول بعض الظلام وعدم القدرة على إضاءة أي مصابيح بسبب النقص في الطاقة الناتج عن إضراب عمال المناجم في ذلك الوقت، فإنه لم تصدر شكاوى من الفريق البرازيلي. واستمتع جمهور الحاضرين بالمشهد الكوميدي للاعب خط وسط شيفيلد وينزداي، تومي كريغ، الذي ظل يلاحق بيليه داخل الملعب طيلة الدقائق العشر الأخيرة، ليضمن حصوله على قميصه بمجرد انطلاق صافرة الحكم معلنة نهاية المباراة. ومنذ سنوات قلائل، اعترف كريغ في حديث مع «ديلي ريكورد» بأنه «أخبرت الحكم بأن ينبهني بأي إشارة عندما يكون على وشك إطلاق صافرة النهاية، بحيث أتمكن من الوقوف بجانب هذا اللاعب العظيم».

بعد هذه المباراة، تلقى بيليه عرضًا بالحصول على ألف و500 جنيه إسترليني، كي يمثل فولهام في مباراة ودية تقام احتفالاً بافتتاح استاد جديد في كريفين كوتيدج الأسبوع التالي. إلا أن بيليه رفض، لأنه كان ملزمًا أمام سانتوس بالمشاركة في مباراة مع أندرلخت في بروكسل، وهي مباراة أضيفت لاحقًا إلى جدول الفريق المزدحم أصلاً.

علاوة على ذلك، خاضت فرق إنجليزية أخرى مواجهات مع سانتوس على أراضٍ أجنبية، أبرزها وستهام في نيويورك ونيوكاسل في هونغ كونغ. إلا أن اللقاء الأخير داخل إنجلترا بمشاركة بيليه جاء عام 1973، عندما عاود سانتوس زيارة البلاد لمواجهة فولهام وبلايماوث أرغيل، في وقت تصاعدت فيه الطلبات المالية لمسؤولي النادي البرازيلي على نحو فج. في كريفين كوتيدج، وافق سانتوس على اقتسام مبيعات التذاكر مع الفريق المضيف، لكن سرعان ما دب الخلاف بين الجانبين بسبب اتهام البرازيليين لفولهام بالغش في أعداد الجماهير. وفي وقت كانت أصداء هذا الخلاف لا تزال حية في الأذهان بقوة، سافر سانتوس بعد بضعة أيام إلى بلايماوث، حيث تلقى وعدًا بالحصول على ألفين و500 جنيه إسترليني خالصة، لكن عندما رأى مسؤولو النادي قرابة 40 ألف متفرج مكدسين داخل هوم بارك، أدركوا أنهم ربما لم يعقدوا صفقة مربحة بما يكفي. وعن ذلك اليوم، قال غراهام ليتل، سكرتير نادي بلايماوث آنذاك في تصريحات لصحيفة «ديلي ميل»: «كنت مع مسؤولي النادي قبل بداية المباراة بـ15 دقيقة فقط، وذكروا أن النادي البرازيلي قال: (لن نلعب إلا إذا حصلنا على ألفين و500 جنيه إسترليني أخرى)». وأضاف: «لم يكن أمامنا خيار في تلك اللحظة، ففي حال إلغاء المباراة كانت ستشتعل أعمال شغب..»، واستطرد بأنه بعد المباراة: «قال رئيس النادي لممثل سانتوس: هذا خداع، سوف نبلغ عنكم. لن تلعبوا في هذه البلاد مجددًا أبدًا». لكن المسؤول البرازيلي هز كتفيه بلامبالاة وقال: «هناك كثير من البلاد الأخرى».

انتهت المباراة بفوز بلايماوث بثلاثة أهداف مقابل هدفين. وخلال المباراة، عقد بيليه تفاهمًا مع جون هور، اللاعب المفترض أن يتولى مراقبته، حول ضرورة أن يتعامل بسلاسة معه ويتجنب التداخل العنيف في الكرة. وعن هذا، قال هور لاحقًا: «لقد تعرض للضرب والمطاردة طيلة حياته، لذا لم يكن يرغب سوى في خوض مباراة كرة قدم حقيقية». وأضاف: «في نهاية المباراة، جاء إليّ ليحدثني. ورغم أننا لم نفهم حديث بعضنا مع بعض تمامًا، بدا واضحًا أنه يرغب في تبادل القمصان، الأمر الذي جعل وجهي يتلألأ بالفرحة. أعتقد ذلك، لأنني لم أضربه أثناء اللعب. ويقترح البعض أن أبيع هذا القميص، لكن لماذا أقدم على هذا الأمر؟ إن قيمته أكبر بكثير من المال. وأحيانا أتساءل ما الذي سيفعله بقميصي. ولا أزال حتى اليوم مستعدًا للتوقيع عليه إذا أراد ذلك». في تلك الفترة، تعرض بيليه وأقرانه لضغوط هائلة من قبل إدارة النادي، خصوصًا مع إدراكهم أن بيليه سيرحل عنهم بمجرد انتهاء عقده خلال عام 1974. وعن هذا الأمر كتب بيليه: «الدجاجة التي تبيض ذهبًا كانت على وشك الفرار من القفص، لذا عملوا على دفعي للعب وجني أكبر قدر ممكن من المال للنادي.. خلال فترة 18 شهرًا، قمنا بجولات في أميركا الجنوبية ومنطقة الكاريبي وأميركا الشمالية وأوروبا وآسيا وأستراليا.. ولم أمر في حياتي قط بفترة مثل تلك، حيث تكدس جدول أعمالي بالمطارات والفنادق والدول المختلفة. اضطررت إلى لعب المباراة الألف في مشواري وأنا في صفوف سانتوس أمام نادي ترانسفال في سورينام. وبدا المسؤولون عاقدي العزم على دفعي إلى اللعب بضعة مئات من المباريات الأخرى قبل رحيلي».

وفي سيرته الذاتية، كتب بيليه بنبرة مفعمة بالضجر: «عام 1973، بدأنا عاما آخر من الترحال. لعبنا في دول بمنطقة الخليج. ولعبنا في مصر والسودان، في أفريقيا وأوروبا، وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإنجلترا.. وجاء وداعي للأراضي الإنجليزية حزينًا، حيث بدا أن «آلة كرة القدم» بدأت تفقد بريقها. يقدر بيليه مجمل الأموال التي حققها سانتوس من هذه الجولات بما يزيد على عشرين مليون دولار. ورغم هذه المكاسب المالية، تظل الحقيقة المؤلمة أن النادي البرازيلي حوّل أفضل لاعب بالعالم إلى مهرج متجول مستعد للترفيه عن أي شخص يلقي إليه بحفنة من المال، مما يثبت ما بدأنا به مقالنا من أن ما شهده الحقل الكروي فيما مضى سيظل يتكرر مرة بعد أخرى، لتبقى حقيقة الموقف أنه لا جديد تحت الشمس.

في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1940 بولاية ميناس جيراس البرازيلية. ولد أدسون أرانتس دونا سيمنتو، لكن هذا الاسم سرعان ما تغير وأصبح «بيليه» اللاعب الأسطورة الذي كتب صفحات رائعة في سجلات كرة القدم العالمية، وأصبح اسمه على ألسنة الملايين من عشاق هذه اللعبة، وهو وزير الرياضة السابق في بلاده. اللعبة الأكثر شعبية في العالم لم تعد هي نفسها بعد الثورة التي أحدثها ابن السابعة عشرة خلال بطولة كأس العالم بالسويد عام 1958.. فقد خطف بيليه المشاهدين بأدائه الساحر وجمع مواهب كروية خارقة لم يماثله فيها أحد من اللاعبين الذين سبقوه أو لحقوه. فكانت لياقته البدنية العالية ومراوغته ممتازة وتمريراته متقنة وسرعته فائقة وتفكيره سريعا، وكان يقوم بأشياء خارقة عن المألوف وموضع إعجاب النقاد والرأي العام على حد سواء. بيليه اللاعب أطلق عليه كثير من الألقاب مثل الجوهرة وملك الكرة ورياضي القرن.. لكن كل ما قيل فيه لا يوفيه حقه. أما بيليه الإنسان فهو الرياضي الوحيد تقريبا الذي رفض أن يروج إعلانات التبغ أو الكحول، لأنه يريد أن يكون يوما سفيرا لكرة القدم التي أعطته الشهرة والمجد فأعطاها اللمسة السحرية المميزة. ويمتاز بيليه بتواضعة الجم على الرغم من الهالة العظيمة التي تحيط به، فتراه محبا للجميع صغارا وكبارا، وكان همه في الملعب أن يسعد عشاقه الذين أتوا ليشاهدوا أداءه الساحر. بيليه مارس (آذار) كرة القدم مثل كل البرازيليين في الشوارع والأزقة، وكانت الكرة عبارة عن لفافات ورق يجمعونها سوية، فتصبح بشكل يتيح لهم ممارسة رياضاتهم المفضلة، والسبب يعود إلى الفقر الذي كان يعيش فيه بيليه، ثم عمل مساحا للأحذية فترة من الزمن في إحدى ضواحي مدينته ليكسب قوته.. وحصل على أول حذاء لكرة القدم عندما بلغ الحادية عشرة من عمره، وانضم بعدها إلى نادي أتليتكو باورو في سان باولو، وأخذ يصقل مواهبه وخلال إحدى المباريات المحلية لفت أنظار أحد مدربي نادي سانتوس

أضغط هنا لقراءة بقية الخبر من المصدر

إخترنا لك



0 تعليق

مركز حماية DMCA.com