http://www.akhbar-libya.ly/content/uploads/2016/05/13/5cc5b7397c.jpg

تحالف التناقضات ينعكس سلبا على النهضة والنداء

ليبيا المستقبل 0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة

 



يرجح مراقبون أن يتصاعد غضب الإسلاميين في تونس خلال الفترة القادمة لا فقط على الرئيس قائد السبسي، الذي أطلق النار على حليفته النهضة محمّلا إيّاها مسؤولية استفحال الظاهرة الجهادية وتردّي أوضاع البلاد، وإنما أيضا على رئيسها راشد الغنوشي الذي يسعى إلى تأمين موقع في المشهد السياسي وإيصال رسالة للعالم بأن الحركة الإسلامية قادرة على خوض تجربة ناجحة من خلال تحالفها مع العلمانيين.

العرب اللندنيةيتوقّع سياسيون أن تتسبب تصريحات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، التي يحمّل فيها حركة النهضة مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد، غضبا لدى عدد من قياداتها التاريخية وكوادرها وقواعدها من رئيسها راشد الغنوشي باعتباره يكاد يكون المستميت الوحيد في الدفاع عن التحالف مع نداء تونس. وكان قائد السبي صرح بأن “تردي الوضع الأمني والاقتصادي" الذي يعصف بتونس منذ انتفاضة يناير 2011 يعود إلى "مخلفات تجربة حكم الإسلام السياسي” بقيادة حركة النهضة وأيضا إلى "تساهلها" مع الجماعات السلفية المتشددة بما فيها التنظيمات الجهادية.

وشدد في لقاء له مع إعلاميين بحرينيين، خلال زيارته للمملكة الخليجية الخميس 28 يناير الحالي، على أن مخلفات حكم النهضة هي التي تقف وراء المخاطر التي تواجهها تونس. وبدا التصريح الذي يرتقي إلى مستوى "الاتهام المباشر" للنهضة الأول من نوعه منذ تولي قائد السبسي رئاسة الجمهورية في أعقاب فوزه بنتائج انتخابات خريف 2014. وتتطابق تصريحات قائد السبسي مع خطابه قبل انتخابات 2014، ومع مواقف القوى العلمانية التونسية وأيضا مع تحاليل سياسية وتقارير إعلامية حيث شددت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية في تقرير لها على أن "الحنق الذي يعانيه الشعب التونسي بسبب الأوضاع الاقتصادية والفقر والاحتجاجات خلال هذه الفترة يعود إلى العام 2011 وهو تاريخ وصول النهضة إلى الحكم.

ويقول المراقبون إن تصريحات الرئيس التونسي المخضرم، الذي عايش فترات حكم الرئيسين الدستوريين الراحل الحبيب بورقيبة والرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والرئيس الانتقالي المنصف المرزوقي، المحسوب على يسار الوسط، كانت متوقّعة ومنتظرة من قبل المتطّلعين على الشأن التونسي، وذلك لسببين: الأول أن علاقة المد والجزر بين الإسلاميين والنظام في تونس علاقة تاريخية، والثاني تركيبة كل من نداء تونس وحركة النهضة (بعد 2014) غير المتجانسة والخلافات حول المرجعيات الفكرية والأيديولوجية التي تصل إلى التناقض. العلاقة بين الإسلاميين والنظام في تونس شهدت، منذ تأسيس الجماعة الإسلامية (الاسم الأول لحركة النهضة)، مدّا وجزرا، وتقاربا يفرضه الرئيس وفق طبيعة المرحلة.

تاريخ من التناقض

تأسست اللبنة الأولى لحركة النهضة في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، في نهاية الستينات، وقد كان اليسار التونسي في أوجه في تلك الفترة؛ وقد رأى الرئيس بورقيبة في الحركة الإسلامية، التي اقتصر نشاطها، في البداية، على الجانب الدعوي والفكري، وسيلة لمواجهة تمدّد اليسار. وفي نهاية السبعينات تحوّلت الجماعة من العمل السري إلى العمل العلني وكشفت في مؤتمرها الثاني، الذي عقد في أبريل 1981، عن دوافعها الحزبية وأهدافها السياسية، وغيّرت اسمها إلى حركة الاتجاه الإسلامي.

لكن، لا طبيعة المجتمع التونسي الذي كان يجاهد في ذلك الوقت للخروج بدولة الاستقلال القوية والتخلّص من ترسّبات الاستعمار الفرنسي، ولا طبيعة النظام الذي يرأسه الحبيب بورقيبة، يسمحان بنشاط إسلامي من هذا النوع، فكان أن تم إلقاء القبض على قيادات الحركة بتهم الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها، والنيل من كرامة رئيس الدولة وتوزيع منشورات معادية. بعد ذلك، شهدت علاقة الحركة بالنظام تحسنا طفيفا، لكنه لم يدم طويلا تحوّلت على إثره الحركة إلى العمل التخريبي وقد وصلت الصدامات أوجها سنة 1987 مع اتهام الحكومة للحركة بالتورط في تفجيرات استهدفت فنادق في مدينتي سوسة والمنستير السياحيتين.

في تلك الفترة تغير النظام وأصبح زين العابدين بن علي رئيسا للبلاد. وقد رحبت الحركة الإسلامية ببن علي، وكانت من بين الموقّعين على وثيقة الميثاق الوطني في 7 نوفمبر 1988. وشاركت في الانتخابات التشريعية في أبريل 1989 تحت لوائح مستقلة متحصلة (حسب النتائج المعلنة) على حوالي 13 بالمئة من الأصوات، وكانت قد غيّرت اسمها من حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة، لأن القانون التونسي يمنع قيام أحزاب دينية. لكن، ذلك لم يشفع لها، وعلى غرار نظام بورقيبة رفض نظام بن علي الترخيص لها؛ وانقلب التأييد إلى رفض ومعارضة، واتهمت بالتخطيط لمحاولة انقلاب على الحكم.

وفرّ أغلب القيادات، وعلى رأسهم راشد الغنوشي إلى الخارج؛ ولم يعودوا إلا سنة 2011، إثر الانتفاضة التي أدت إلى سقوط نظام بن علي، التي رأوا فيها فرصتهم الكبرى للانتقام وتحقيق أهدافهم، وكانت البداية مع الحصول على الترخيص من وزارة الداخلية والاعتراف بحركة النهضة حزبا سياسيا. وجاء التحالف الحكومي، إثر انتخابات أكتوبر 2011، مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (يسار وسط) وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (اشتراكي)، واختارت النهضة رئيس حزب المؤتمر منصف المرزوقي ليكون رئيسا للبلاد التي دخلت منذ تلك الفترة مرحلة جديدة، ساد فيها عدم الاستقرار وكثرت الاحتجاجات واستفاقت تونس على مشاهد سياسية جديدة ودخيلة عنها كالاغتيالات والتهديدات الإرهابية وظهور الشعارات الإسلامية المناقضة تمام لمبادئ دولة الاستقلال. واكتسحت الجماعات المتشددة نسيج المجتمع التونسي الذي يتبع المذهب السني المالكي الأشعري المعتدل وزرعت خلايا جهادية في المدن والجهات الداخلية بعد أن استولت على العشرات من المساجد وحوّلت منابرها إلى فضاءات لنشر الفكر الجهادي.

ويشدد علمانيو تونس وكذلك أئمة زيتونيون على أن تسامح الترويكا مع السلفيين المتشددين قاد إلى استفحال الفكر الجهادي ودفع بالآلاف من الشباب إلى الالتحاق بالجماعات الجهادية سواء منها المتحصنة بالجبال التونسية أو تلك التي تنشط في سوريا والعراق وفي مقدمتها تنظيم الدولة الذي يتصدر فيه التونسيون قائمة جهادييه بأكثر من 4000 جهادي من بينهم 700 جهادية. ومن مخلفات الترويكا (التي أشار إليها قائد السبسي في تصريحاته الأخيرة) أيضا ارتفاع النسبة العامة للبطالة إلى أكثر من 15 بالمئة وهي تصل في عدد من الجهات الداخلية إلى 40 بالمئة فيما ترتفع نسبة الفقر إلى أكثر من 27 بالمئة وتبلغ في عدد من مناطق البلاد زهاء 47 بالمئة.

ولم تتمكن تونس وقتها من الخروج من الأزمة السياسية إلا بعد تسوية سياسية قادها الاتحاد العام التونسي للشغل وأفضت إلى تنحي النهضة عن الحكم لفائدة حكومة من التكنوقراط برئاسة مهدي جمعة. وشهدت تلك المرحلة فترة صعود نداء تونس، الذي أسسه الباجي قائد السبسي، في 2012، سعيا لإحداث توازن سياسي مع حركة النهضة. ونجح نداء تونس في انتخابات 2014 في اقتناص 86 مقعدا في البرلمان متقدما بفارق طفيف على النهضة. لكن، على عكس الانتظارات كوّن نداء تونس حكومة ائتلافية تضم الإسلاميين، ولم يلتزم بوعوده الانتخابية وأوصى الحبيب الصيد بإشراك النهضة في تركيبة الحكومة التي نالت ثقة البرلمان في 2 فيفري 2015، وذلك بعد لقاء جمعه بالغنوشي في باريس مما قاد إلى "نوع من التقارب" المنفعي بين نداء تونس العلماني والحركة الإسلامية.

تركيبة فاشلة

تسبب التحالف بين الباجي والغنوشي في حالة التشظي والتراجع التي تعيشها اليوم حركة نداء تونس وانقسامها، وذلك بسبب تركيبة الحزب غير المتجانسة فكريا وسياسيا. وبدا الحزب يشقه تياران، تيار يتمسك بالمرجعية البورقيبية، وتيار نقابي يساري يدفع باتجاه انتهـاج إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية راديكالية. وتبدو الاختلافات بين التيارين أشد عمقا بشأن الموقف من حركة النهضة حيث يرى التيار البورقيبي الدستوري أن مد الجسـور مع الحركة الإسلامية ساعد على النأي بتونس عن الاستقطاب السياسي في حين يشدد التيار النقابي اليساري ان لا مجال للتحالف نظرا لعمق الهوة الفكرية والسياسية بين الحزبين.

بدورها لم تسلم النهضة من الانقسامات، حيث أخذت الخلافات داخل الحركة نسقا تصاعديا منذ خزيمة الانتخابات في خريف 2014 التي منيت فيها بهزيمة. وعلى الرغم من تقليل قيادات النهضة من حدة الاختلافات والتأكيد على أنها “تلوينات” تعكس مناخا من الحرية والتعدد فإن المتابعين للشأن التونســـي يشددون على أن الحركة تشهد تجاذبا سياسيا حادا. وأولى بوادر التجاذب جاءت مع استقالة القيادي التاريخي للنهضة حمادي الجبالي (في أواخر 2014) لتؤكد أن موجة انشقاقات العميقـــة باتت تعصـــف بالحركة التي كثيرا ما شددت على تماسكها.

وتتوقع دوائر سياسية أن تقود "اتهامات" قائد السبسي الأخيرة للنهضة إلى تخفيف نفوذ الغنوشي السياسي والتنظيمي والروحي داخل النهضة خاصة لدى عدد من القيادات التاريخية وفي مقدمتها الصادق شورو والحبيب اللوز إضافة إلى قواعد انتخابية غاضبة على عدم إشراكها في مواقع صنع القرار. وأضاف السياسيون أن الغنوشي الذي يراهن على التحالف مع السبسي في مسعى إلى إقناع الرأي العام التونسي والبلدان العربية والغربية بأن الإسلام السياسي قادر على التحالف مع العلمانيين وإنجاح المسار الديمقراطي بات يواجه تململا وغضبا.

وقد تتسبب "اتهامات" السبسي في تفجر الأزمة داخل الحركة والتي تتكتم عليها خوفا من أن يؤول مصيرها إلى مصير نداء تونس الذي أنهكه نزيف الاستقالات. ويقول خبراء وسياسيون إن تصريحات قائد السبسي تؤكد أن تحالف الحزبين هو تحالف مصلحي أكثر مما هو استراتيجي، مشددين على أن تحالفا هكذا مرشح للتفكك في أول خضة سياسية نتيجة التناقض الصارخ بين المرجعية المدنية للنداء العلماني والمرجعية العقائدية لحركة النهضة الإسلامية.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com