http://store1.up-00.com/2016-05/1464582852421.png

حركة النهضة التونسية.. صراع التنظيميين والسياسيين

ليبيا المستقبل 0 تعليق 54 ارسل لصديق نسخة للطباعة



غياب وجوه نهضوية بارزة ومعروفة بتشددها كحبيب اللوز والصادق شورو، يعكس توجه الحركة الجديد لتصبح أكثر مرونة في تعاملها مع باقي الأحزاب المدنية.

العرب اللندنيةيتبلور في السنوات الأخيرة رأي عام عربي ودولي حول ضرورة انخراط أحزاب الإسلام السياسي في المنظومات الوطنية وأن تتخلى عن الجانب الديني الذي يغذي تحركاتها السياسية ووضع برامج واضحة تقوم على خدمة الصالح العام في مناخ مدني تنظمه قواعد دستورية وقانونية. لكن في الجانب المقابل، تبقى العديد من الأحزاب التي تنتمي إلى العائلة الإسلامية مترددة في أخذ هذه القرارات والحسم في الجوانب الدينية والدعوية المختلطة بالعمل السياسي، ويظهر التردد أساسا في الخطاب السياسي الذي يتسم بالتضارب أحيانا بين قيادات تلك الأحزاب (جزء من صراع الإخوان في مصر، مراجعات الأحزاب الإسلامية في المغرب، تراجع عدد من الأحزاب الإسلامية السلفية في الصومال عن مقولة استعمال السلاح والعنف …). ولم يخل التردد طبعا من بروز انشقاقات وصراعات للأجنحة داخل التنظيمات السياسية الإسلامية.

هذا التوصيف، ينسحب بدوره على حركة النهضة الإسلامية في تونس، فقد حرص مؤخرا وبشكل لافت عدد من القيادات البارزة والماسكة بمسائل تنظيمية واسعة في أكثر من حوار صحافي على الحديث عن تباينات بين قيادات النهضة، ملتزمين بأنها لن "تسبب إرباكا للمشهد السياسي في البلاد"، كما جاء في حديث القيادي عبدالحميد الجلاصي لصحيفة الشروق التونسية مؤخرا. تصريحات الجلاصي كان يمكن أن تعطي صورة إيجابية عن حركة إسلامية تعيش مخاضا ديمقراطيا مؤسساتيا داخليا يُحلّ بانضباط الأقلية لقرار الأغلبية، شرط ألا يتنزل هذا الصراع في سياقين لا علاقة لهما بالمسألة الديمقراطية، بل بتطور الحركة الذي اقترن بصراع عنيف بين ما يعرف بالتنظيم والخط السياسي.

ولعل هذا الصراع يعد مثالا على المواجهة بين الداعين إلى فصل الجانب الديني عن السياسي وانخراط الأحزاب الإسلامية في الدولة المدنية الوطنية، وبين المحافظين على هوية تلك الأحزاب لأن الجانب الديني الإسلامي يعد أساسا أيديولوجيا لتكون تلك الأحزاب. يتملك الخوف عددا من الشخصيات البارزة للأحزاب الإسلامية من أن تفقد تلك التيارات والتنظيمات مشروعية تواجدها في المشهد السياسي في حالة تخليها عن الجانب الديني، فهو المدخل الرئيسي للتعبئة الجماهيرية التي لدى تلك الأحزاب، وأساسا فكريا وأيديولوجيا يمثل الإطار الذي ينشط فيه العضو الإسلامي المنتمي إلى تلك الحركة. وبذلك فإن مسألة المس بالمرجعية الدينية للحركات الإسلامية ودفعها نحو المدنية تعتبر خطا أحمر لدى الغالبية العظمى من قواعد وقيادات تلك الحركات.

من جانب آخر، فإن الخطاب السياسي لأحزاب الإسلام السياسي لن يكون بالمفعول ذاته والقدرة على الإقناع ذاتها إذا لم يكن مشحونا بالتداولية الدينية التي تعطي الخطاب شحنة عاطفية يستميل بها الناخب، وهذا أمر عرفت به التنظيمات الإسلامية وقياداتها منذ نشأة الإخوان المسلمين في مصر بداية القرن العشرين.

وإذا تم طرح مثل هذه المواضيع في داخل هياكل تلك الأحزاب، تخلق موجة من الامتعاض بين جناحين سرعان ما تتسرب إلى وسائل الإعلام والرأي العام لتكشف صراعات فكرية ومصلحية وسياسية لا يمكن توقع كيفية نهايتها. وهو الأمر الذي تعيشه حركة النهضة الإسلامية التونسية في الأيام الأخيرة، خاصة بعد إصرار "كاتم أسرار الحركة" القيادي عبدالحميد الجلاصي على أن صراعا ما تدور رحاه بين مكتب الانتخابات (وهو الهيكل التنظيمي للنهضة) وبين مجموعة مقربة من رئيس الحركة الحالي راشد الغنوشي. وقد لاحظ عدد من المراقبين للشأن السياسي التونسي في الأشهر الأخيرة غياب عدد من الوجوه النهضوية البارزة التي كانت تحتل الصدارة في المشهد، ولعل أهمها حبيب اللوز والصادق شورو، وهما الشيخان اللذان يمثلان الحالة الدينية القصوى لحزب حركة النهضة.

وقد دفع ذلك المراقبين إلى القول إن الحركة بدأت تأخذ نهجا يقترب بشكل أكثر مرونة ومناورة من المشترك السياسي التونسي الذي يجمعها مع باقي الأحزاب الناشطة وغالبيتها العظمى أحزاب مدنية فيها اليساريون والليبراليون والعروبيون وغيرهم. ويعتبر هذا الغياب مؤشرا على دوران حركة النهضة نحو الأمام ولكن ببطء، نتيجة الآراء والمواقف المتباينة حول عدد من النقاط التي يختلف بشأنها جناح التنظيم وهو جناح الصقور الساعي للحفاظ على هوية الحركة الدينية ومحاسبة مجموعة الخارج في ملفات بعينها، في مقابل مجموعة تسعى إلى تغيير منهج الحركة الدعوي وسط أنباء حتى بشأن تغيير اسم الحركة أساسا، ساعين إلى ترحيل ملف محاسبة المجموعة التي غادرت تونس زمن بن علي.

جناح الصقور: هو الجناح التنظيمي لحركة النهضة وهو أساسا مكون من أسماء جلها بقي في تونس خلال المرحلة ما قبل 2011، وهو جناح يركز على الطابع الإسلامي العقدي للحركة كهوية أيديولوجية وسياسية

الصقور يسعون للحفاظ على الطابع الديني للنهضة

يؤكد عدد من القيادات داخل حركة النهضة أن الأساس الأيديولوجي الذي بنيت عليه حركة الاتجاه الإسلامي (كما كانت تسمى في السبعينات) هو أن الحركة تتبنى هوية إسلامية ومرجعية دينية في تكونها، وهي تعمل على إرساء نظام إسلامي يكون مدخلا لإعادة الخلافة الإسلامية، حسب ما تقوله أدبيات الحركات الإسلامية بشكل عام والمقربة أو المنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين الأم التي تأسست في مصر على يد حسن البنا.

وقد عارضت أسماء عديدة الرأي الذي يقول إنه على حركة النهضة التونسية اليوم التخلي عن الجانب الديني الدعوي في نشاطها السياسي، والاهتمام فقط بالنقاط البرامجية والسياسية في التحرك داخل المشهد السياسي التونسي، تمهيدا لتأسيس انطلاقة جديدة مختلفة جذريا تجعل من الحركة حزبا مدنيا وطنيا. وقد وصل الأمر أحيانا إلى التصريح الضمني أو العلني بأن التخلي عن المرجعية الإسلامية لحركة النهضة هو تخل تام عن الحركة في ذاتها ككيان سياسي موجود وينشط داخل الساحة السياسية التونسية وهو أصل تكوينها الأول.

ويؤكد مراقبون أن هناك قادة رئيسيين في الحزب يطلق عليهم شق “الصقور”، ينحدرون من مرجعية أصولية محضة ترفض أي شكل من أشكال الانفتاح على المحيط الخارجي أو تغيير مسار وتوجهات الحركة وخياراتها التي قامت كينونتها الأولى عليها بقطع النظر عمّا يجري من تحولات وسياقات محليّة وإقليمية ودولية.

وفي مقدمة هؤلاء قياديان بارزان وهما الشيخان كذلك الحبيب اللوز والصادق شورو، هذا الأخير الذي طالب في إحدى جلسات البرلمان التأسيسي للدستور الثاني للجمهورية التونسية في سنة 2012 بضرورة اعتماد القرآن مصدر التشريع الأول في الدستور المعدّة فصوله آنذاك، بل أبعد من ذلك حيث أعلن في إحدى مداخلاته في المجلس أن يطبق حكم بتر اليد وإقامة الحدّ على كل من يثبت تورطه في أي احتجاج أو حركة معارضة للحكومة التي كان يحكمها أحد صقور النهضة بدورهم وهو علي العريض، في مناخ كان يتسم بالتوتر إثر اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد والزعيم العروبي محمد البراهمي.

من ناحية أخرى، فإن للصراع أوجها أخرى بارزة تنبثق عن المبدأ الأول وهو فصل الدعوي والديني عن السياسي داخل حركة النهضة، وهو صراع حول تحديد صلاحيات رئيس الحركة. وهو عنوان يمهد للحديث عن مرحلة ما بعد راشد الغنوشي، حسب بعض المتابعين للشأن السياسي التونسي.

يوجد في حركة النهضة اليوم من يدعو إلى تحديد صلاحيات الرئيس من خلال فرض انتخاب رئيس الحركة من داخل مجلس الشورى، وهو مدخل تقني مضيق كي يتسنى لبعض أطراف الحركة تقييد سلطات الرئيس ومراقبتها بشكل يجعل من التعقيدات التنظيمية مكبلة لتحرك الرئيس الذي يكون في الغالب مدعوا إلى التعاطي مع الإعلام والرأي العام والشأن السياسي ويتحدث باسم الحركة ويعقد الاجتماعات السياسية باسمها. ويخفي هذا التقييد، حسب البعض، نزوع عدد من الصقور إلى المحافظة على الطابع التقليدي للحركة، وهو طابع ديني إسلامي، وسد كل المنافذ أمام الرئيس لإدخال تحويرات عميقة يمكن أن تجرد الحركة من طبيعتها الإسلامية وبالتالي مشروعيتها.

هذا النزوع نحو تقييد سلطات الرئيس، يكشف عن إرادة لدى بعض القيادات المتشددة للحركة في تضييق مساحة التغييرات التي يريد الغنوشي الرئيس الحالي للحركة أن يقوم بها بناء على إكراهات داخلية وخارجية من شأنها أن تحول الحركة إلى حزب مدني بالكامل ومنخرط في الشأن التونسي دون أن تكون له مرجعية دينية في العمل السياسي. وهو ما يفتح الباب أمام القول إن البعض من قيادات النهضة من الذين بقوا في تونس أيام حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي يسعون إلى فتح ملفات محاسبة القيادات النهضوية التي غادرت إلى أوروبا وأميركا في ذلك العهد، في سياق ما يروجه هؤلاء عن "تخلي تلك القيادات الخارجية عن النهضويين في تونس".

الجناح السياسي المقرب من الغنوشي: هو بالأساس عدد من القيادات التي تتطابق آراؤها ومواقفها، والمقربة حتى عائليا من الرئيس الحالي للحركة راشد الغنوشي وجلها أسماء عاشت معه في المهجر

النهضة ملتفة حول زعيمها راشد الغنوشي

في الوجه المقابل لشق الصقور كما يسميه بعض المتابعين، يوجد شق ينزع نحو مناصرة الرئيس الحالي للحركة راشد الغنوشي في خياراته السياسية التي اتخذها بعد نتائج الانتخابات التي رجحت كفة حزب نداء تونس والرئيس الحالي الباجي قائد السبسي. إذ تسعى بعض الشخصيات النهضوية القيادية المقربة من الغنوشي إلى التأسيس لمرحلة أخرى داخل الحركة والبحث عن التغييرات المناسبة التي تضمن مناورات مريحة في المستقبل المنظور، خاصة وأن حركة النهضة لا تزال في أدبياتها حركة إسلامية، محاولة بذلك النأي بصورة الحركة عن المحيط الإقليمي والدولي الذي يتسم بانتشار الإرهاب والحركات الإسلامية المسلحة المتشددة، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا. فقد أظهرت الوقائع منذ سنوات مدى انخراط التونسيين في تلك الحركات العنيفة المتوحشة، وقد رد عدد من المحللين ذلك إلى وجود حركة النهضة الإسلامية في فترة ما بعد 14 يناير 2011 والتي سهلت أسلمة قطاع كبير من الشباب.

وتسعى تلك القيادات، من أجل ذلك، إلى الإعلان عن الفصل بين الجانب الدعوي والجانب السياسي للحركة، مدافعين عن فكرة نزع صفة الإسلامية عن الحركة وجعلها حركة حزبية محافظة وتقف على يمين السلطة. حتى أن البعض من قواعد النهضة، اليوم، أصبح يتحدث عن ضرورة تغيير اسم الحركة لارتباطه بتاريخ من الحركة الإسلامية في تونس.

ولهذه النقطة الخلافية الجوهرية بين الجناحين، العديد من المظاهر، لعل أهمها سيناريو الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، والتي حمل فيها البعض مسؤولية الفشل الانتخابي للقيادي عبدالحميد الجلاصي، باعتباره الأكثر نفوذا تنظيميا، وقالوا إنه دفع بقواعد الحركة إلى الاصطفاف وراء منصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية ضد الباجي قائد السبسي الذي قال في وقت سابق بأن الغنوشي منحه صوته في الانتخابات. وتقول تلك الدوائر إن الجلاصي أحرج الغنوشي في أكثر من مناسبة من أبرزها “الكشف” عن لقاءاته بمؤسس نداء تونس الرئيس الباجي على الرغم من تمسك رئيس الحركة بضرورة التكتم عن تلك اللقاءات.

وفي أعقاب الهزيمة بدا وكأن صورة الغنوشي قد اهتزت في صفوف النهضويين، غير أن ذلك الاهتزاز لم يلامس سقف سطوته الروحية والتنظيمية والسياسية خاصة بعد نجاح القيادات المقربة منه في امتصاص تداعيات هزيمة الانتخابات. ويدافع عدد من المقربين من الغنوشي خاصة من الذين واكبوا معه الهروب إلى الخراج في فترة صرامة حكم زين العابدين بن علي، عن مسألة صلاحيات رئيس الحركة التي يجب أن تبقى ممركزة وواسعة في يده. فقد أكدت بعض التصريحات أن رئيس الحركة لا يجب أن ينتخب من مجلس الشورى، وإنما يجب أن يكون منتخبا من المؤتمر نفسه لأنه أعلى سلطة في الحركة، ومن خلاله يتم إعطاء كل السلطات للمؤسسات الأخرى للحركة. وقد يواجه الشق المقرب من الغنوشي، في ذلك، عددا من المواقف المعارضة التي تصر على انتخاب الرئيس عبر مجلس الشورى.

وفي سياق النقطة الخلافية التي تدور حول محاسبة القيادات التي كانت تقود الحركة في الخارج، ومقولة أن تلك القيادات قد تخلت عن الإسلاميين التابعين للحركة من الذين اعتقلوا وسجنوا في تونس، فتقول دوائر مقربة من الغنوشي إن الأمر لا أساس له من الصحة، ولا توجد مشاكل تذكر بين الجهتين التونسية والخارجية لأن الحركة القيادية التي كانت في أوروبا بشكل خاص تسعى إلى الضغط على تونس من الخارج لإطلاق سراح المساجين، ولعل الإفراج على القيادي علي العريض وحمادي الجبالي وعدد آخر من النهضويين كان أبرز دليل على ذلك، حسب قولهم.

 




شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com