555555555555555

ما لا غنى عنه

العربى الجديد 0 تعليق 436 ارسل لصديق نسخة للطباعة
يستيقظ صباحاً. يشعر بالحاجة إلى فعل شيء ما. الحاجات مختلفة، بعضها أساسي ولا يمكن للإنسان أن يعيش من دونه. لكنّ بعضها الآخر مرتبط بالعادة، مع ذلك، يقنع الإنسان نفسه يوماً بعد يوم أنّه في حاجة إليه. أو أسوأ من ذلك، أنّ حياته كلّها تتوقف عنده، بكامل تفاصيلها... أنّه لا غنى عنه.

الفرد منّا يألف ما اعتاد عليه، فإذا تناول قهوته الصباحية محلّاة في أحد الأيام عن غير قصد منه، وقد اعتادها مُرّة، قد يشعر بانزعاج شديد، جزء منه عضوي يتعلق بالذائقة نفسها التي اعتادت ذاك الطعم ورفضت غيره في عملية يومية روتينية. وجزء منه اجتماعي يرتبط بعاداته اليومية المتعلقة بالمحيط الخاص به، وبالعلاقات، وبالمكان الذي يتناول فيه القهوة، وبالأشخاص الذين يعدّونها له، أو يعدّها لهم، وكذلك بالأحاديث التي تدور خلال تناولها، والنشاطات التي يمارسها. فربما تكون القهوة المرّة مناسبة لديه لقراءة الأخبار السياسية في الجريدة. تلك الصفحات التي لا تحمل إلّا المرارة غالباً، مع كلّ ما في عالمنا من فساد.

هي حاجات لا غنى عنها إذاً؟ ليس تماماً، فالمثال السابق عن القهوة يدلّنا على أنّ الاعتياد مجدداً وتعويد الذائقة على الطعم الحلو، قد يصل إلى نتيجة مغايرة. عندها، سيعتاد الفرد ذلك الطعم. وربما لا يغيّر أيّ شيء مما يفعله أثناء تناول القهوة ولو بطعمها الجديد، ولا تتغيّر أيّ نظرة له إلى الأمور أيضاً.

كثيرة هي الأشياء التي نحاصر أنفسنا بها ونهيئ لذواتنا أننا في حاجة إليها. في الأساس - أساس الأساس - ليس الإنسان في حاجة إلى شيء أبداً، عدا عن البقاء. ليس الأمر متعلقاً هنا بالأكل والشرب والمأوى والتناسل فقط، بل القتل من أجل عدم التعرض للقتل حتى. وإذا لزم الأمر إيماناً بالحياة بعد الموت في طريقة تسمح له بتجاوز كلّ ما قد يتعرض له من فناء بالدرجة الأولى، وعذاب بالدرجة الثانية، فليكن.

تظهر تلك القدرات المذهلة على البقاء دائماً في أشدّ مواعيد الخطر، والأزمات المميتة. يتمسك بحياته حتى لو قَتل من قَتل في هذا السبيل. ولو أنّ البعض يرفض مثل ذلك الخيار بدافع اجتماعي - أخلاقي جُبل عليه ولم يجد الوقت الكافي بعد لاعتياد جبلة أخرى.

فالمجتمعات نفسها تبتكر حاجاتها الأساسية التي تصبح لا غنى عنها، ولا بدّ منها بالتالي. وهي كذلك بالفعل، طالما التزم الفرد هذا الاجتماع والتفاعل فيه وعدم الشذوذ عنه. من ذلك، الدراسة والعمل والزواج. بل يذهب البعض أبعد في ما هو لا غنى عنه اجتماعياً، كالهواية والأناقة والعلاقات مع الآخرين بمختلف درجاتها وأشكالها، من العلاقات العاطفية وصولاً إلى الصداقات. لكن، هل من حاجة أساسية بينها؟

اقــرأ أيضاً

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق