555555555555555

النصّ المهدور

العربى الجديد 0 تعليق 335 ارسل لصديق نسخة للطباعة

"اصمتْ واحفر" هو عنوان النصّ المسرحي الذي كتبته اللبنانية، حلى المغني، (1980)، بالفرنسية، وهي التي سبق لها أن عملت في الصحافة، ومع منظمات إنسانية غير حكومية، وعاشت في باريس، قبل أن تقرّر العودة عام 2003 والاستقرار نهائياً في بيروت.

كتبت حلى نصّها ما بين عامي 2006 و2008، وللتذكير فقط، 2006 هو عام الهجوم الإسرائيلي على لبنان، وتدمير جزء محترم من مرافقه الحيوية وبناه التحتية، ونشرته عام 2013 ، أي بعد خمس سنوات من كتابته، في دار أركان. فعلت هذا ولم يسمع به أحد، أو أنه بقي في دائرةٍ مغلقةٍ جداً، ليست حتما ما يحتاجه نص مسرحيّ، قد لا يكتمل في عين مؤلّفه، ما لم يولد على الخشبة من جديد.

عام 2015، حاز نصّ مسرحية "اصمت واحفر" على جائزة  RFI (إذاعة فرنسا الدولية) للمسرح، خلال المهرجان الفرنكفوني الثاني والثلاثين في ليموج، وقد اختير من بين 216 مسرحية، أرسلت من نحو 24 بلداً. رئيس لجنة التحكيم، وهو كاتب ومسرحي، قال عنه: "هذا نص كبير جداً، بسيط وعميق". ومع ذلك، لم يحدث شيء، سوى أن وسائل الإعلام العربية تناقلت خبر الجائزة الذي وردها عبر وكالات الأنباء، ليس إلا، من دون أن تدفعها الحشرية لقراءة هذا النص، بهدف التحقق من أهميته، ماهيته، أو ببساطة بدافع الفضول.

أنا فعلت. متأخّرة فعلت. علمتُ مصادفةً أن النصّ سيُقرأ هذا الصيف في فرنسا من ضمن سلسلة قراءاتٍ مسرحيةٍ إذاعية، بأصوات ممثلين فرنسيين معروفين، بينهم ممثلة أحبها هي كليمانتين سيلارييه. بحثتُ عن حلى، ولم أكن أعرف عنها شيئاً. كانت ضمن قائمة "أصدقائي" في "فيسبوك". طلبتُ منها المسرحية، فوافتني بها مخطوطةً، وأعلمتني أنها مقيمة في لبنان.

قرأتُ المسرحية. منذ الصفحات الأولى، عرفتُ أني بالفعل أمام نصّ استثنائي. أولاً، لأنه نصّ مسرحي بامتياز. وثانياً، لأني نلتُ أكثر مما توقعت. وثالثاً، لأن حلى المغني تنتمي إلى مدرسةٍ عالميةٍ تصبو إلى الكونيّ، وإن كان همّها الإنساني نابعاً من كونها ابنة بيئتها.

حول حفرةٍ هي مكبٌّ للنفايات، تجتمع ثلاث شخصيات، الأب والأم والابن، وهم ينقّبون فيها بحثاً عما قد يكون من الممكن استخدامه مجدّداً: أغراض يمكن بيعها في السوق، مواد أولية، فراغات رصاص، ذكريات، إلخ. الوالد يؤدي دور المشرف، أو مراقب الأعمال "الشاطر"، فيما يجمع الابن أشياء غريبة، لا يني يقول إنها للذكرى، والوالدة تمتّع الحانوتي بتقبيلها لقاء قارورة طلاء أظافر، حريصةً على تبريد العلاقة وحماية ابنها من مواجهةٍ محتملةٍ مع أبيه. الحفرة هنا نتيجة انفجار، والحرب ماثلة، وإن لم تُحدَّد أيّها، وهو ما يجعل النصّ وثيق الاتصال بالزمن الحاضر، ذلك الذي عشناه، ونعيشه، وذاك المرشح أن نعيشه بعدُ عقوداً طوالاً.

الحوارات بين أفراد العائلة طريفة، حارقة، عفوية، محكَمة، وإن كانت لا تخضع لمنطقٍ سوى منطق الشخصيات. ردود الأفعال مفاجئة دوماً، فهي تتقدّم على خيط رفيع من العبث، ومن السخرية السوداء، يمدّه الواقع لتسير عليه الشخصيات.

في الفصل الثاني، تظهر شخصيتان إضافيتان، "الواحد" و"الآخر"، إنهما يرتديان زيّاً يعرّف عنهما. عنصرا أمن تابع للدولة. هذان سيقلبان وضع الأسرة المتهادي أصلاً، إذ سيكتشفان أن أفرادها لا يملكون أوراقاً، وأنهم يتعدّون على أملاك عامة.

لكي ينقذ رأسه، يقترح ربّ العائلة عليهما اتفاقاً، أن يصبحا شركاءه، خصوصاً وأن الحفرة، كما يقول، تحتوي على آثار قديمة، تعود إلى جميع الحقب التي عرفتها البلاد، وإلا باعهما زوجته للمتعة، قِطَعاً...

ليس النص لبنانياً حصراً، وإن كانت كاتبته لبنانيةً قد خبرت شيئاً من معنى الحرب. إنه نصّ "الآن"، ونصّ الـما "قبل" أيضاً، كما هو نصّ الـ "دوماً". نحن في تشظّي الفرد وتبعثره الداخلي، في تفكّك العلاقات الإنسانية وانهيار القيم الأخلاقية، وفي تبعات "البراءة" الشابة في عالمٍ لا يحتمل البراءة. نحن مع انتهازية الأب، ومع تذبذب الأم وانحيازها إلى من يؤمّن لها طلاء أظافر، مع ضياع الابن، وبحثه عن ذاكرة، ومع استبداد السلطة. نحن مع تاريخٍ هذياني، حيث اللا انتماء والانفجارات والمقابر الجماعية.

هذا نصّ ينبغي الإسراع في نقله إلى العربية، كي نشاهده حيـّاً فوق خشبات عربية.

علّ من كانت له أذنان سيسمع!

 

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق