555555555555555

العراق "شماعية" كبيرة

العربى الجديد 0 تعليق 82 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تُكرِّرُ الحكايةَ نفسَها -على مسامِعِكَ-
تنفصلُ عن نَفْسِكَ وتتحدَّثُ عن اثنينِ في جسدِك

هل ستحظى بما فكّرتَ،
بما أرَّقَكَ وأنتَ تَنوحُ بجانبِ السَتائرِ الذَابلة.
مَنْ مشى في مخيِّلتِكَ، تتمنّاهُ أن يَكونَ خليلَكَ، رغمَ كُرهِكَ الأعمى لِمَنْ وجدَكَ تتخبَّطُ بالأَعمدةِ وهي تضيءُ العقيدةَ بِالخوف.

تُكرِّرُ الحكايةَ نفسَها -على مسامِعِكَ-
تنفصلُ عن نَفْسِكَ وتتحدَّثُ عن اثنينِ في جسدِك

تتركُ الأرضَ وتطير،
زَيْفُ الموعدِ في مسائِكَ يَكشفُ عن وَلَعِكَ بخديعةِ نَفْسِك.
تُكرِّرُ الحكايةَ نفسَها -على مسامِعِكَ-
تنفصلُ عن نَفْسِكَ وتتحدَّثُ عن اثنينِ في جسدِك.

(بعد خمسة أيام من كل أسبوع، أقضيها مضطراً خارج المنزل، يتفاقم فيها خوف من قتل على الهويّة، أو موت بسيارة مفخخة، أو حفلة اطلاقات نارية هوجاء، أرجع إلى أُمي التي تستقبلني وكأني عائد للتو من جبهات القتال. تشم ملابسي بحثاً عن رائحة البارود، وتتفقد ملامحي لتطمئن على أن سحنتي لم يطلها جنون العاصمة الذي ينشر الرعب في الشوارع. منذ أشهر، بلغتُ 26 عاماً من عمري الموزع بين بغداد ودمشق. العاصمتان الموزع دمهما بين قبائل الفضائيات والصحف ومراكز الدراسات. وأنا الآن في بغداد. هنا، أدفن وجهي في صدر أمي وأنام، علَّ رائحتها تطرد الكوابيس التي تلاحقني كلّ يوم. وحين تشعر بضيق من التصاقي بها أمسك يدها فقط، وأغفو. أحياناً أوقظها لأطلب منها أن تحضر لي كوب ماء، ولست بعطِش، فقط لأعرف إننا ما زلنا هنا، نحن الاثنين، في هذه المدينة التي لا نعرف أين ستمضي بنا).

المتعةُ عندَ الآخرينَ، تجعلُ منكَ، مجنوناً يخبطُ المجرّاتِ بالمجرّات.
ليس كوكبَكَ هذا لتفعلَ ما تشاءُ
-حياتُكَ أبسطُ مما خَلَّدَها خيالُك-
الخلودُ لمتحفِ العباءاتِ النادرةِ والشُّعيراتِ الزائفة.
يموتُ مَنْ تضعُهُ على جدارِ فَراغِك
تموتُ الأفكارُ فورَ اندلاعِها،
تموتُ الحَرائقُ عندما تأكلُ مَا تبقّى في مُتحَفِ الذكريات
تموتُ الأُحجيةُ عندما تصيرُ مَشاعاً للعامّةِ
يموتُ كلُّ ما تفكِّرُ فيه.

قالَ أَعرابيٌّ مرّةً: الجوادُ أرَّختْ حَوافرُهُ الحياةَ، والبلاغةُ نَهْبٌ للسلاطين،
لم يجنحْ خيالُكَ أكثرَ مما دُخْتَ في انغلاقِ الماءِ على البياض.

والدوائرُ تلك تقتلُ النملَ والبشر،
يصنعونَها بفحمِ الجسدِ ولُعابِ الشهوةِ
هل ستحظى بكلِّ ما فكّرتَ فيهِ؟!

(أسمع صراخها ليلاً إثر الكوابيس المتلاحقة، وتسمع هي صراخي بمعدل يومين في الأسبوع، دون أن نسأل بعضنا –مطلقاً- عن سيناريوهات الخراب التي نراها في نومنا. تشرب شايها بالقليل من السكر، وأشرب قهوتي مرّة في الصباح، أضع قبلة على جبينها، وتبدأ بالقلق عليَّ حين أخرج. كلّ منا يتخيل سيناريو حتفه. كل منا يضع سيناريوهات عديدة لموته. كل صباح ألمس أيَّ شيء بجانبي لأعرف أني حيّ. مرّة أمسكتُ بحذاء بجانب رأسي. كانت رائحته عفنة لأني سرت به يوماً كاملاً في أحياء بغداد برفقة صديق ونحن نكرر: بغداد «شماعيّة» كبيرة.
عرفت أني حيّ، وعرفتُ أن الحياة لا تقلُّ عفونة عن هذه الرائحة. لكن لِمَ كل هذا الخوف؟)

الأجدى، أن تطلبَ عشاءً للنملةِ
وأن تنامَ وَحيداً كذئبٍ
في برارٍ تصنعُ التنجيمَ للقادم
لأن الحياة تخلو من أبوابٍ تفتحُ نَفْسَها على البلاغة.

تُفكِّرُ، من غرفةٍ معتمةٍ بضوءٍ صناعيٍّ، في البريّةِ والحياةِ، تُفكِّرُ، دونَ عنايةٍ بملاذٍ -الوحدةُ صديقةٌ تتنكَّرُ بزيٍّ في كلِّ رحلةٍ.

- الحياةُ مدرَّبةٌ أكثرَ مما اعتقدتَ.
وأنتَ
تنفصلُ عن نَفْسِكَ وتتحدَّثُ عن اثنينِ في جسدِك

(العراق «شماعية» كبيرة. مستشفى أمراض نفسية بلا أطباء. كلنا معتلّون في هذا البلد بأمراض متفاوتة. فُصام وقلق وارتياب، ووساوس... بعضنا يسيطر على نوبات جنونه، لكنه ينفجر يوماً، ويعيش وحدة لا أحد يهتم لها. لا أحد يفتقد أحداً، كلنا يائسون. كلنا ينظر إلى حاله التي تبدو أنها لا تتحسّن، إذا أمّنت نقوداً فلن تؤمّن حياة خالية من الرعب. أنا مريض، وكذلك أصدقائي بسبب الموت العبثي المتربص بنا في كل زاوية من زوايا المدينة. لم أقص شعري منذ عام أو أكثر.
أشعر أن الحلاق سيحزّ عنقي بموسى معقّمة، والدم ينطّ حاراً بينما يضحك زبائن المحل بهستيريا مجلجلة. الدم حار وعيوني باردة، والموسى نظيفة تماماً. لست ملاكاً ولا رامبو كذلك لـ«أقضي حياتي جالساً مثل ملاك في كرسي حلاق». لقدّ حوّلَتنا سلطات البلاد إلى كائنات تشككّ بكلِّ شيء. لِمَ حالي هكذا؟)

شاهد الخبر في المصدر العربى الجديد




0 تعليق