اخبار ليبيا فيسبوك

محمد بن زايد وخراب ليبيا “إزالة لغرض التطوير”

0 تعليق 94 ارسل لصديق نسخة للطباعة



تنص المادة 140 من دستور الاتحاد الإماراتي: “يكون إعلان قيام الحرب الدفاعية بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بعد مصادقة المجلس الأعلى عليه. أما الحرب الهجومية فمحرّمة عملاً بأحكام المواثيق الدولية”.

لعبت الإمارات دورا كبيرا في الإطاحة بنظام معمر القذافي وإلقاء القنابل على الأبرياء من الشعب الليبي، هذا الشعب الذي خرج لاستقبال الشيخ زايد عندما زار طرابلس سنة 1971 لإجراء عملية جراحية في مستشفى “اندير”. وممّا يروى أنّ زايد أعجب بالمعمار الإيطالي للعاصمة طرابلس ونظافة شوارعها فأعرب للقذافي عن أمنيته في أن تصبح يوما أبو ظبي مثل طرابلس…

لقد كانت مشاركة الطيران الحربي الإماراتي مشاركة هجومية مباشرة على المستوى اللوجستي والعسكري حيث وضعت الإمارات طائرات مقاتلة على ذمة الأسطول الفرنسي كما أرسلت فرقة كوماندوس نحو طرابلس. وعن العلاقة بين الثوار وحلفائهم، ذكر محمود جبريل رئيس الحكومة الليبية السابقة وأحد الذين كوّنوا صحبة علي العيساوي ومصطفى عبد الجليل وإبراهيم حباشي ما سمّي “بالهيئة الشرعية”، ذكر أن: “الإمارات العربية المتحدة، قطر، فرنسا وبريطانيا، كانوا كلهم على علم بالمخطط الذي استهدف تحرير طرابلس، بمعيّة قوّات حلف الناتو”.

في تقرير للمعهد الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية البريطاني (RUSI) Royal United Services Institute وهو أحد العقول المفكّرة والمدبّرة في لندن، أظهر أن قوات من قطر والإمارات ومصر وإيطاليا وبلغاريا شاركت بقوات خاصة للإطاحة بنظام القذّافي. حيث أرسلت بريطانيا ما بين 10 إلى 40 من وحدات S.S.A الملكية، فيما نشرت فرنسا عددا مشابها أو أكثر لكن مصر تبدو الدولة الأكثر من ناحية أعداد جنودها الذين قدّروا بحوالي 100 من رجال الكوماندوس الذين دخلوا ليبيا في شهر مارس 2011، وأرسلت كل من قطر والإمارات عشرين، أما بلغاريا فقد بلغ عدد جنود النخبة الذين أرسلتهم حوالي 12 جنديا.

لقد عمل هذا العدد من قوات النخبة على تضييق الخناق على نظام القذافي حيث منع تدفّق النفط وأربك وصول المواد الغذائية المتأتية من تونس للعاصمة طرابلس. كما كانت مهمة هذه القوات بالأساس استخباراتية لمعرفة مكان تمركز وحجم قوات نظام القذافي على الأرض ومدّ الطائرات الحربية الفرنسية والإماراتية بالمعلومات اللازمة حتى تكون ضرباتها دقيقة. ويقول التقرير إن التخطيط للزحف نحو طرابلس بدأ في شهر أفريل من سنة 2011 (شهران بعد اندلاع الاضطرابات) حيث تم الاعتماد على قوات عربية وأساسا من الإمارات، ويزعم التقرير أن هذه القوات قامت باختراق العاصمة واتصلت بالمعارضة حيث حضّرتها لساعة الصفر.

وفق تقارير استخباراتية، لم تكن مشاركة النظام الإماراتي عن طريق فريق برّي فقط، بل شارك بـ 12 طائرة في عمليات فرض حظر طيران فوق ليبيا. وفي ذلك يقول وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان: “إن القوات الجوية في الإمارات خصصت ست طائرات اف 16 وست طائرات ميراج للمشاركة في هذه الدوريات التي تستهدف حماية المدنيين الليبيين.”

في الواقع، لم تكن مهمة الطائرات الحربية الإماراتية سلميّة أو وقائيّة بل هجوميّة. كانت تلقي بحممها على المدن الرئيسة كطرابلس ومن الطبيعي أن يكون المدنيين والمنشآت المدنية من بين المستهدفين. حماية المدنيين الليبيين كانت مجرّد تعلّة لضرب ليبيا وتدميرها وتحويلها إلى كتل إسمنتية حتى تفوز الشركات الإماراتية بعقود البناءات الجديدة في بلد كتبت على حيطانه منذ أواخر سنوات حكم القذافي بالطلاء الأسود عبارة “إزالة لغرض التطوير”.

إن من كان يسعى إلى حماية المدنيين لا يمكنه إرسال طائرات لقصف المدن وقتل الأطفال. لا أعتقد أن الإماراتيين لهم قنابل ذكية تلقي بحممها على العسكر، تلقي السلام على المباني وتلقي الورود على المدنيين! من الثابت أن سلاح الجو الإماراتي لم يكن في فسحة في ليبيا بل كان في مهمة قتالية عدوانية وهمجية. فلقد أثبتت تقارير أن المقاتلات الإماراتية ساهمت في الثامن من رمضان من سنة 2011 أثناء قصف جوي عنيف في استشهاد أكثر من 85 مواطن ليبي بين رجل وامرأة وطفل وهو ما بات يعرف بمجزرة “وادي ماجر”. وبعد أن علّل الناتو ذلك بأنه كان نتيجة خطأ في تحديد الأهداف، لم يحقق في القضية حتى بعد انتهاء الحرب التي قادتها قوات الناتو بقرار من الأمم المتحدة بحجة حماية المدنيين.

وإن فهم المجتمع الدولي والعربي خاصة، مشاركة فرنسا وإيطاليا وبريطانيا في الهجوم على نظام القذافي بحكم أنها بالأساس قوى استعمارية وأنّ لها أطماعا نفطية واستثمارية بليبيا إلا أن الكثير لم يفهم مشاركة الإمارات في ذلك!

في خفايا الأمور، كانت مشاركة النظام الإماراتي في العدوان على الشعب الليبي، تحت ذريعة الإطاحة بالقذافي، لسببين على الأقل:

أولا، محاولة الإماراتيين إيجاد موضع قدم في ليبيا النفط بعدما أصبحت ليبيا مستباحة، خاصة وأنّ ذلك العدوان تزامن مع أزمة مالية خانقة ضربت إمارة دبي منذ سنة 2009 وأنهكت اقتصاد إمارة أبو ظبي بحكم أنها من سارع إلى إنقاذ “مؤسسة دبي للاستثمار” وبالتالي الحيلولة دون إفلاس وانهيار إمارة دبي.

ثانيا، إيقاف عجلة الاستثمار الليبية التي كانت شرهة رغم السرقات والعقود التي كانت تبرم بالباطن وتحت الطاولة.

هذه السياسة التوسعية للاستثمار الليبي، مثّلت وقتها تهديدا للكثير من الصناديق السيادية وعلى رأسها “جهاز أبو ظبي للاستثمار” الذي تبلغ موارده قرابة 773 مليار دولار والذي يعتبر من أكبر الصناديق في العالم بعد “صندوق التعاقد الحكومي النرويجي” Government Pension Fund Global (GPFG) (893 مليار دولار) وفق تصنيف مؤسسة SWF Institute أواخر 2014، هذا بالإضافة إلى وضع إمارة دبي كمركز استثماري وتجاري إقليمي أصبح مهددا من العديد من العواصم الأخرى التي تحوّلت إلى منافسة لدبي وعلى رأسها الدوحة وماليزيا وسنغافورة وإمكانية التحاق طرابلس على المدى المتوسّط.

شاءت الظروف أن أطلع زمن حكم القذّافي على حجم بعض المشاريع الطموحة (التي لم تكن سرية) من عقارية وسياحية وصناعية في الداخل عبر ”الشركة الليبية للتنمية والاستثمار“ وهي ما تعرف بصندوق “دبيبة” نسبة إلى مديرها العام عبد الحميد دبيبة والتي أبرمت عقودا بمآت المليارات من الدولارات مع شركات إماراتية مثل Hydra وEmaar وTameer وAl Mansoori وAl Maabar، وكذلك مع شركات أخرى من قطر والكويت وكوريا والصين واليابان وإيطاليا وألمانيا وتركيا وسوريا والهند والفلبين وباكستان وروسيا وفرنسا…

أو في الخارج عن طريق ”المؤسسة الليبية للاستثمار“ وهو صندوق سيادي استطاع في ظرف وجيز اقتناء حصص هامة في بنوك استثمار ومؤسسات وشركات دولية رائدة في قطاعات إنتاجية مختلفة في إيطاليا وألمانيا وبريطانيا وأفريقيا…

رغم ما رافق هذه العمليات الاستثمارية سواء في الداخل أو الخارج من إبرام صفقات مشبوهة أغلبها تدار خارج المكاتب، في “حوش” المسؤول أو في ”مزرعته“ التي يقضي فيها عطلة نهاية الأسبوع وتدفع فيها عمولات ورشاوي بمآت الملايين من الدولارات في حسابات خارجية، إلا أنّ ذلك لم يكن ليمنع ظهور لمباني ومشاريع عملاقة تصعد وتعانق السماء في طرابلس. لعلّ طوني بلير مهندس فكّ عزلة القذافي وانفتاحه على أوروبا والذي يشغل اليوم خطة مستشار لمحمد بن زايد يعرف الكثير عن بعض من هذه الصفقات كتلك المتعلقة ببنك Goldman Sachs وبنك Société générale حيث تلاحقهما ”المؤسسة الليبية للاستثمار“ على خلفية مزاعم فساد، بإجبار مسؤولين ليبيين على استثمار الثروة السيادية الليبية في هذين المصرفين وما تكبده الصندوق الليبي من خسائر فادحة.

من الطبيعي أن تكون السياسة الليبية الانفتاحية التي تميزت بالسرعة انطلاقا من سنة 2005 مبعثا للقلق ومثارا للحيرة وسط إرادة القذافي ضرب نفوذ فرنسا في أحد أهم معاقلها وذلك بتحرير الفرنك الإفريقي (عملة دول غرب إفريقيا) من وصاية الخزينة الفرنسية وإنشاء سنغافورة جديدة في شمال أفريقيا يمكنها افتكاك زعامة دبي خاصة وأن نظام السلطة في ليبيا وقتها له الكلمة المطلقة في إدارة الفائض المالي الكبير بالسرعة والكيفية التي يريد، رغم ما يعاب عليه من سوء تصرّف في ذلك الفائض ومن الصراع الكبير بين التيار الليبيرالي الذي كان يمثّله سيف الإسلام القذّافي والتيار المتشدّد الذي يمثله أحمد إبراهيم القذافي.

خرجت الإمارات من عدوانها على الشعب الليبي “خالية الوفاض” إذ لم يتعدى دورها تسديد مصاريف العدوان، لكن تعلّقت بها دماء الليبيين إلى الأبد وستبقى وصمة عار يتوارثها حكام النظام.

اليوم، تفتخر بعض القيادات الليبية بالمشاركة الإماراتية في سفك دماء الليبيين. من ذلك ما ذكره وزير الخارجية الليبي الأسبق “محمد عبد العزيز “لصحيفة “البيان” الإماراتية فيما يتعلق بالعلاقات الإماراتية ـ الليبية أنها علاقات أشقاء شعبا وحكومة، وقد أقرّ في حوار لصحيفة البيان الإماراتية بتاريخ 25 مارس 2014 بأنّ الإمارات كانت سبّاقة في دعم “الثورة الليبية” على كافة المستويات.

الكارثة، أن هذا الوزير ينتظر دعما إماراتيا في التدريب في مجال الدفاع أو التدريب في مجال الشرطة والحال أن جيش الإمارات كولمبي وشرطتها آسيوية أو عمانية!

الغريب في الأمر أن الإمارات شاركت وتشارك اليوم في الإطاحة بالذين ساندتهم بالأمس ضد القذافي، عن طريق سلسلة من الهجمات الجوية على مواقع قوات ما يعرف بـ ”فجر ليبيا“ ورغم نفي النظام الإماراتي ذلك إلا أن الصحفيّة الاستقصائية Anne Gearan في مقال لها بصحيفة Washington Post في 25 أوت 2014 أكدت حصول سلسلة من الهجمات الجوية إماراتية ومصرية على العاصمة الليبية طرابلس بدون علم الولايات المتحدة الأمريكية.

من خلال متابعة نشاط النظام الإماراتي في بؤر توتر خارجية خاصة تلك التي تعيش أزمات وارتدادات لما يعرف بـ “الربيع العربي” تبيّن أنّه يضم خلايا أمنية وإعلامية، فالأمنية مهمتها إسقاط الحكومات ذات التوجه الإسلامي ومواجهة وتعقّب الفصائل والتيارات الإسلامية القتالية، أما الإعلامية فتنحصر مهمتها في انتقاء ونشر أخبار تحريضية ضد بعض التيارات الإسلامية ودعائية لصالح بعض الرموز أو التيارات العلمانية أو القومية.

لا أقف هنا مدافعا عن الأنظمة والتيارات الإسلامية التي لها من الأخطاء ما يجعلها في قفص الاتهام وهؤلاء أنفسهم فيهم من تربّى واشتغل وحتى تجنّس في بلد الشيخ زايد بل كذلك فيهم فصائل تدعم وتتبنّى وتقوم بعمليات إرهابية، لكن حرب النظام الإماراتي ضد التيارات الإسلامية ودعمه للتيارات العلمانية والقومية لم يكن الهدف منه تعزيز العدالة والحرية والمساهمة في بناء الديمقراطية وإنما الخوف الكبير من أفراد شعبه الذين يتوقون إلى الحريّة فانقلبوا ضد حكامه مطالبين بالإصلاح. إنه يجب ترويع الناس وخلق الفتن والخراب في مناطق كليبيا وتونس ومصر حتى لا تتحول تلك المناطق إلى دول ناجحة وأيقونات من شأنها أن تدفع الشعوب المقهورة إلى الثورة على حكامها.

* الدكتور سامي الجلّولي صاحب الكتاب المثير للجدل “الإمارات ما قبل الكارثة أسرار وخفايا” والمختص في النظام السياسي السويسري والأنظمة السياسية العربية، والمحلّل السياسي ورئيس مركز جنيف للسياسة العربية.

 




أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز حماية DMCA.com