555555555555555

اخبار ليبيا : صيف العزاء البريطاني

ليبيا 218 0 تعليق 81 ارسل لصديق نسخة للطباعة

قضيت معظم أسابيع الصيف في أوروبا ، مع بعض الانشغال ، كان اهتمامي التليفزيوني موزعا بين مشاهدة الضحايا من السوريين الذين يرجمهم دون رحمة ثلاثي اتحاد قتل الأطفال (الروسي الإيراني الأسدي) وبين متابع لألعاب الأوليمبياد 2016 الذي كانت تغطيها شبكات التلفزة الأوروبية بكثافة والحدث يوصف علي أنها اكبر استعراض أممي في تاريخ الإنسانية الحديث.

يعتبر البعض الحديث عن الرياضة هو حديث بعيد عن السياسة، ولكن المتبصر يري أن هناك رابطا كحبل السرة بين الرياضة و السياسة . أهل البرازيل ، رغم أوضاعهم الاقتصادية غير المستقرة، حرصوا علي أن تظهر بلادهم علي أفضل وجه،فنظموا مسابقات اوليمبية لم تشبها شائبة، حيث كانت ريودي جانيرو المدينة الأولي في أمريكا الجنوبية التي تنظم المسابقات الصيفية للأوليمبياد، التي كانت مشهورة بأحداث خارج القانون منضبطة إلي حد كبير . لقد نظمت مسابقة كبيرة ضمت 33 لعبة مختلفة، شاركت فيها معظم دول العالم دون حادث كبير يذكر . ما لفتني ان بريطانيا في هذه الدورة حصلت علي ثاني اكبر عدد من الميداليات.

البريطانيون جاءتهم كل تلك الميداليات مناسبة ايجابية كبيرة و قدمت الفرحة ابدالا عن الحزن الذي أصاب كثيرا منهم جراء نتيجة الاستفتاء الذي اخرج بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة ،والذي خلف الكثير من التشاؤم والقلق لدي كثيرين ، كما جاءت النتيجة هدية للسياسيين لأنها صرفت الرأي العام عن الحديث السلبي لنتائج الانفصال .

الا ان القصة ليست هنا ، فقصة وصول الرياضيين البريطانيين الي تحقيق كل هذا النجاح هي التي يهمني عرضها أمام القارئ العربي، فهي قصة تحتاج الي نظر و تدبر . في عام 1994 قام جون ميجر وقتها رئيس الوزراء البريطاني باستحداث ما عرف لاحقا بهيئة اليانصيب الوطنية، الدولة العظمي وقتها تتخلف في الكثير من المجالات ومنها الرياضة ، كما كان يعصف بها تأثير خروج السيدة القوية ( أو التي كانت قوية) من الحكم، السيدة مارجريت تاتشر ، من خلال (انقلاب قصر) دبر لها من حزبها.، وقتها بريطانيا كانت تعاني تراجعا في الكثير من المجالات المالية و الصناعية والثقافية والرياضية ، ففي المجتمعات عادة ما تتساند النظم ، فان اختل احدها أصاب الاختلال باقي الأنظمة ! ثم جاءت دورة الألعاب الاولمبية في عام 1996 دورة أتلانتا / جورجيا في الولايات المتحدة ، التي افتتحها رئيس الجمهورية بل كلينتون، وكان ترتيب الرياضيين البريطانيين في تلك الدورة متدنيا جدا اي وقوعهم في الـ 36 في ترتيب الحصول علي عدد الميداليات الأولمبية!

والنتيجة المدمرة في الرياضة أمام السياسيين البريطانيين و الجمهور العام غاضب بل ومكتئب، اتخذ رئيس الوزراء وقتها جون ميجور قرارا ثوريا في حينه ، قرر أن يذهب خمس أرباح شركة اليانصيب، التي يشارك فيها الجمهور البريطاني إلي الرياضة فقط ، كانت تلك الأرباح توزع علي عدد كبير من مؤسسات الرعاية الاجتماعية و جماعات الإحسان، ويصل إلي أي مؤسسة منهم مبلغ صغير بسبب عددها الكبير ! خُمس الأرباح من اليانصيب الوطني يعني ملايين من الجنيهات كل عام تذهب إلي مؤسسة واحدة ،مستقلة وشفافة، و تصرف كما اشترط القانون ، علي ترقية العناية بالألعاب الخاصة بالاوليمبياد، بدأت عجلة البناء للمرافق الرياضية في كل أنحاء بريطانيا وشجع الشباب علي الانتساب الي تلك المؤسسات والمرافق،وفي سنوات قليلة بدأت بريطانيا تحوز علي الميداليات المختلفة ، حتي توجتها بثاني أعلي عدد من الميداليات هذا العام في ريو و يصادف هذا مرور عشرين عاما علي ذلك القرار التاريخي الذي اتخذه رئيس الوزراء وقتها ، الاستثمار في الناس.

طبعا المال الذي وظف له علاقة مباشرة بالنجاح ،ولكن الأمر أكثر من ذلك ، فعقلية النجاح لا تغني عن نظام النجاح ، و النظام الذي وضع لاستقلال كل ذلك المال بشكل دقيق وشفاف و قابل للمتابعة وخاضع للمنافسة ، فأي لعبة لا يحقق منتسبوها مستوي معينا من التنافس، يمنع عنها التمويل ، ولم يحدث خلال العشرين عاما (فضائح) فساد أو استقلال أو تحيز في استخدام هذا المال لا توجد مساحة للتشويش او التخفي ، النتائج تظهر للناس ، فعدد الميداليات التي يفوز بها فريقه في وضح النهار تدلل علي المجهود الذي بذل و علي أن الاستثمار الذي صرف وكان ناجحا، فلا يمكن تضخيم النتائج كما يتم في فعاليات أخري، عن طريق استئجار شىء من الإعلام أو الدعاية! الرياضة هي الأكثر شفافية في أعمال البشر، خاصة إن كان هناك، كما في المؤسسة الاوليمبية البريطانية، الكثير من المتابعة و الانضباط. المشاهد ان من أسهم في النجاح من الرياضيين البريطانيين كان خليطا من الأعراق و الألوان والخلفيات الإثنية .

تدفق آلاف الشباب في بريطانيا علي الأندية والإنشاءات الرياضية، بعد النتائج الكبيرة التي تحققت وقررت رئيسة الوزراء البريطانية أن تقدم توجيها إلي المدارس، بأن يفسحوا من الوقت للنشاط الرياضي، حتي علي حساب التدريس المقرر، بل قررت إحدي محطات التليفزيونية البريطانية أن تتوقف عن البث لساعتين في آخر الشهر ، حتي تفسح المجال لمشاهديها للقيام عن مقاعدهم في قاعات الجلوس و التريض قليلا. التأثير الاجتماعي هنا مهم علي الناشئة الذين يرغبون في تقليد ( الأبطال ) الذين يحبونهم. الرياضة ثقافة عامة لها علاقة بالصحة ، حيث تبعد الشباب عن تعاطي المخدرات والممنوعات، و لها علاقة بالسلوك الإنساني الحسن والإيجابي ،وهي صناعة أيضا، حيث يصاحبها عمل مهني وتقني، و تجاري ترويجي، إلا أنها فوق ذلك كله ترفع معنويات المجتمع وتطلعه إلي حياة أفضل ، وفي الحالة البريطانية تحول صيف العزاء البريطاني إلي فرح و بدأموسم الاستفادة السياسية من أهل الحكم لهذا الانجاز العظيم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة "الأهرام" المصرية

شاهد الخبر في المصدر ليبيا 218




0 تعليق