http://store2.up-00.com/2016-05/146458253941.png

مفتاح الأربش: مجمع مليته للغاز.. المشروع الصح في المكان الخطأ.. لماذا؟

ليبيا المستقبل 0 تعليق 175 ارسل لصديق نسخة للطباعة



مجمع مليته للغاز هو مشروع استراتيجي كان يمكن ان يصبح نواة لمشاريع اخرى مكملة له مثل مصفاة للنفط ومجمع للبتروكيماويات ومرافق اخرى تقام في نفس الموقع تقوم على صناعات هيدروكربونية؛  فقط لو تم انشاؤه في المكان الصحيح وحسبما نصت عليه القوانين واللوائح الصادرة بالخصوص وبما لا يتنافى والاعراف البيئية المعمول بها في العالم.

نص قانونا البيئة رقم 2/87 و15/2003 على إعداد دراسة مفصلة للتقييم البيئي (Environmental Impact Assessment) للمشاريع التي لها تأثير محتمل على البيئة وتقديمها للجهة المخولة بغية الحصول على الاذن بتنفيذها. هذه الدراسة تغطي الاثار البيئية (Adverse impacts) والاقتصادية والاجتماعية (Socio Economic) التي من المتوقع ان تنعكس على المنطقة الحاضنة للمشروع بدأ بالأعمال الانشائية وانتهاء بالتفكيك مرورا بسنوات التشغيل. تراجع الجهة المانحة للاذن الدراسة، وان وجدت بان المشروع لن يتجاوب مع المعايير المحددة فان الاذن بالتنفيذ لن يمنح.

احد اهم واول وابسط هذه المعايير هو اختيار الموقع. وفيما يخص المشاريع التي تصاحبها انبعاثات غازية اثناء عملية التشغيل مثل مجمعات الغاز والبتروكيماويات والمصافي ومحطات الكهرباء فهناك معايير وشروط اساسية بديهية يلزم استفاؤها، ومن ضمنها اختيار موقع اقامة المشروع بحيث لا تصل انبعاثاته الى المناطق السكنية. اهم خاصية يجب ان تتوفر للموقع هو الا يأتي فوق الرياح السائدة بالمناطق السكنية وانما تحتها؛ اي لا تهب تلك الرياح على الاحياء مرورا بالمجمع ومحملة بانبعاثاته وانما تهب في الاتجاه الآخر بعيدا عنها. ولكن تمر الرياح في الوقت الحاضر ومنذ انشاء المجمع بالموقع القائم به وتسوق معها انبعاثاته الى المناطق السكنية المجاورة.

الرياح السائدة بمنطقة المجمع تهب من الغرب وشمال الغرب شتاء ومن الشمال وشمال الشرق في الخريف والربيع ومن شمال الشرق والشرق في فصل الصيف. يقع مجمع مليته فوق الرياح السائدة بالمناطق المأهولة المجاورة. تسود هذه الرياح بالمنطقة اكثر من 90% من السنة او لمدة 330 يوما سنويا تقريبا، ومعظمها يهب من اتجاه المجمع محملة بانبعاثاته الغازية. تغطي الاحياء السكانية القوس المحيط بالمجمع من الشرق والجنوب والغرب. ما تنص عليه بديهيات علوم البيئة  واساسيات الامن والسلامة والقوانين النافذة تجعل هذا الموقع الذي به المجمع اليوم غير مؤهل ولا مناسب لإقامة المشروع عليه من الاصل. ولم يكن اختيار الموقع موفقا حيث انعكس التأثير البيئي سلبا على المنطقة، وهذا ما ارادت القوانين والمفاهيم البيئية السائدة تجنبه. هناك وسائل يمكن اتخاذها وإدخال بعض التعديلات على اجراءات التشغيل الحالية (Procedures) ووضعها محل التنفيذ لحل مشكلة الانبعاثات وإنهاء ورفع الكآبة عن السكان ودرء المخاطر عنهم، وترميم خطأ اختيار الموقع.

يشتاق سكان المناطق المحيطة إلى نسمة البحري التي تنطلق في الصيف في العادة عند الظهر، فكانت منعشة وممتعة حاملة معها روائح البحر وتبنه، ولكن تلك المتعة ذهبت مع الرياح السائدة إلى غير رجعة منذ صيف 2004 وبعد تشغيل المجمع مباشرة. تلك النسمة التي كانت عليلة باردة ممتعة يهب بدلها اليوم ومنذ 12 سنة نسيم مشوه برائحة غاز كبريتيد الهيدروجين واكاسيد الكبريت وغيرها من روائح المجاري الاخرى والهاربة (Mercaptans) المنبعثة من المجمع على مدار الساعة وعلى مدار السنة. هي ليست الروائح الكريهة المقلقة وحدها التي تأتي بالضيق النفسي على السكان بل ما تنزله بهم وبممتلكاتهم من اهوال.

هناك ثلاثة مخاطر قائمة ومحتملة لمجمع الغاز بمليته.  ثلاثة مصادر رئيسية تشكل خطرا دائما وداهما على المنطقة المحيطة وسكانها. الأول قائم ويجري على مدار الساعة 24/7/365، واثنان محتملان يمكن ان يحدثا في اي لحظة. الأول هو تعرض المنطقة الى انبعاثات سامة ومسممة على مدار الساعة ومنذ سنة 2004، ونذكر من ضحاياها الأركان الهامة التي تغطي النشاط الحيوي لجسم الانسان والتي تستهدفها الغازات المنبعثة من المجمع وتسممها. والثاني هي خطورة محتملة من انفجار الأنابيب الناقلة للغاز والنفط والمكثفات بالمناطق السكانية وبمجمعات المدارس التي تشقها حزم الانابيب هذه إلى جزئيين. والثالث هو احتمال توقف المشاعل (Flares) الناتجة من حرق الغازات العادمة فجأة نتيجة عطل ما ((Plant Upset، وخروج الغاز السام بكميات ھائلة قد تتسبب في عدد كبير من الضحايا والاضرار بالممتلكات في المناطق المحيطة بالمجمع. وهناك وسائل واجراءات يمكن  اتخاذها وإدخال تعديلات على الاجراءات الحالية (Procedures) ووضعها محل التنفيذ لإنهاء الخطر الأول ووقف المعاناة الحالية، ودرء مخاطر الثاني والثالث.

تجارب الاهالي بمناطق مجمعات الغاز ومعامل تكرير النفط وجوارها في الولايات المتحدة الاميركية وكندا ودول اخرى كثيرة ومريرة، وعانى اهلها ولا زالوا يعانون ويلات الامراض والسرطانات المختلفة والمتاعب الصحية وعدم الاستقرار النفسي بسبب الانبعاثات الغازية الهاربة وغازات المشاعل. كذلك الملوثات الناتجة عنها وعن التسربات والانفجارات التي تحدث بخطوط الانابيب الناقلة للغاز والمواد النفطية، والحرائق الناجمة عنها، وما ينتج عن ذلك من اضرار واصابات وخسائر مختلفة.

تغطي الانبعاثات الغازية الملوثة للهواء الجوي التي يستنشقها سكان المناطق المحيطة بالمجمعات الغازية نطاق يتراوح بين 35 و50 كيلو متر من المركز الذي يقع به مصدر الانبعاث. وتتوقف مسافة التأثير الفاعل على ارتفاع نقطة الانبعاث من سطح الارض. وتحتوي الانبعاثات على غازات البيوتادين، البنزين، ايثيل البنزين، الهباء، اول اكسيد الكربون، كبريتيد الهيدروجين، اكاسيد النيتروجين، اكاسيد الكبريت، الهكسين، المركبات العضوية الطيارة، الطولوين، الزيلين، الستايرين، الهبتينات، الاكتين، الايثين، والاوزون. وهذه هي الانبعاثات التي توثر على اركان الجسم الحيوية العشرة.

آنيا، يعاني سكان المناطق المحيطة بالمجمع ومنذ سنة 2004 من صداع واحتقان بالحلق وحرق بالعيون والشعور بالقيء وبالأعياء والدوخة والغثيان والاغماء والانهيار، وضيق بالتنفس وحساسية حادة بالصدر خاصة عند الاطفال وكبار السن ومرضى الربو. وحدوث حالات اجهاض متعددة حسب ملف لشكاوي اكثر من 1500 مواطن. وتتطابق هذه الاعراض تطابقا مثيرا مع تقارير مماثلة صادرة عن بيوت خبرة في اميركا الشمالية. يعاني السكان ايضا من الروائح الكريهة التي تثير القلق والاشمئزاز والاستياء الشديد والضيق لديهم، ناهيك عن الازعاج الصادر عن الإضاءة الليلية التي تحدثها المشاعل بالمجمع. شم الروائح الكريهة يوفر الدليل على حلول المنبعثات بالمنطقة واختراقها للأجساد لتختلط بالدم عبر الأنف والفم والجلد فتتأثر اعضاء الجسم بالمخترق الغريب وتحاول صده او السقوط تحت تأثيره.

وهناك ما يحدث على المدى المتوسط والطويل من امراض مختلفة وانواع من السرطان التي تصيب انظمة الجسم البشري كلها والتي تغطي النشاط الحيوي للأنظمة بما فيها التنفسي والتناسلي والدوري وخاصة بين الاطفال و الهرموني والهضمي والعصبي، والمسالك والكلى والكبد ونظام نمو الجسم ونظام الحواس والمناعة، وحدوث التشوه الخلقي لدى الأجنة. وتصبح هذه الامراض وراثية تنقل من هذا الجيل إلى الذي يليه، وإلى كل الأجيال التالية. والحال نفسه ينطبق على الثروة الحيوانية بالمنطقة المجاورة للمجمع، وكذلك على الكائنات الحية الاخرى بما فيها الاشجار والمزروعات والنباتات عموما.

وتختلط الانبعاثات مع السحب والضباب والرطوبة لتكوِّن مركبات كيميائية مختلفة تصيب المحاصيل الزراعية وتسبب هبوط معدلات الانتاج؛ وتلحق الضرر بالممتلكات والمباني والسيارات والمياه العذبة والنباتات والاشجار والكائنات الحية الكبيرة والمجهرية، مما يؤدي الى كسر السلسلة الغذائية وتلف وانقراض كثير من الكائنات الدقيقة. ويمتد التأثير ليطال التربة والمياه الجوفية وبالبيئة عموما. ولقد نبهت الشركة المشغلة للمجمع السكان بعدم تجميع مياه الامطار، والتي تعد افضل مصادر المياه العذبة لهم، نظرا لتلوثها بالانبعاثات، ويحسب للشركة المشغلة هذا التنبيه المسئول. كما ان انبعاث الهباء الثقيل والخفيف والخشن والناعم (Particulates)، وهو عبارة عن بقايا نفطية معقدة غير محترقة، ، خاصة وان الدقيق من هذا الهباء (Aerosols) يبقى عالقا بالجو لفترات طويلة قبل ان يستقر على الأرض، لذا يجد طريقه بسهولة الى الجهاز التنفسي عن طريق الاستنشاق كجزء من الهواء الذي نتنفسه. تسوق الرياح هذا الهباء الدقيق لينتشر ويصل الى مناطق تبعد 350 كيلومتر عن مصدر الانبعاث.

والمخاطر الثانية يحتمل حدوثها في حال فشل نظام التحكم في الغاز الخام ((Plant Upset وانطفاء المشاعل (Flares) عندها تنتشر غازات سامة بالمنطقة  قد تسبب ضحايا عديدة. ومن المثير للقلق  والاستغراب ان المواطنين لم يتم إعلامهم عن اي خطط للطوارئ او كيفية التصرف في حال حدوث كارثة من هذا النوع. بالإضافة لما مصدره المجمع، هناك جزئية ثالثة محتمل حدوثها تتعلق بالمخاطر التي قد تنتج عن خطوط الانابيب القادمة الى المجمع والمغادرة له والمخترقة للأحياء السكنية. تغطي هذه الجزئية احتمالية تسرب النفط والغاز وما قد ينتج عن ذلك من حرائق وانفجارات. احتمالية التسربات التي ترافق شبكات الانابيب الناقلة للغازات الهيدروكربونية (النفط والغاز) القابلة للاشتعال والانفجار قائمة طوال الوقت، خاصة عندما تقع تحت ضغوط مرتفعة تصل الى 85 بار او ما يعادل دفع المياه الى ارتفاع يصل 900 متر. ومن المثير للاستغراب مرة اخرى ان المواطنين القاطنين بتلك المناطق لم يتم ابلاغهم بكيفية التصرف في حال حدوث كارثة من هذا النوع.

وللتعليل على احتمالية وقوع حوادث تسرب وانفجارات بأنابيب النفط والغاز فان ذلك يحدث في اماكن مختلفة من العالم وعلى فترات متقاربة، فكان آخر تسرب للنفط من خط للأنابيب حدث في 22 مارس الماضي بقرية هاردوود بداكوتا الشمالية بأميركا، وآخر انفجار بأنبوب نقل للغاز قطره 30 بوصة يشابه اقطار انابيب النقل المتصلة بمجمع مليته وقع يوم 9 يناير 2016 في مقاطعة روبرتسون بتكساس بأميركا ايضا رغم كل التحوطات وتطبيق الشركات المشغلة اعلى معايير الامن والسلامة لتجنب الخسائر والقضايا القانونية وتكاليف التعويضات الباهظة للمتضررين.

ورد لعلمنا مؤخرا بان الهيئة العامة للبيئة تحصلت على الموافقة لإجراء مسح شامل لتقييم الوضع الصحي لسكان المنطقة المحيطة بالمجمع واتخاذ الاجراء الذي يتناسب مع النتائج، وهذا مؤشر ايجابي قد يقود إلى اجراءات وقائية وتصحيحية اخرى، استحقاق كان ينبغي ان يقدم لسكان المنطقة منذ سنوات.

مفتاح الأربش

 

شاهد الخبر في المصدر ليبيا المستقبل

إخترنا لك



0 تعليق

مركز حماية DMCA.com